ﺛﻮرة اﻟﻄﺎﻗﺔ اﻟﻨﻈﻴﻔﺔ

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

ﻗﺮﻳﺒﺎً.. ﻣﺼﺮ ﺗﻮدع ﻋﺼﺮ اﻟﻮﻗﻮد اﻟﺘﻘﻠﻴﺪى

الأزمة العالمية تدفع نحو تسريع التحول

الاتجاه نحو التحول الأخضر بـ 2.5 جيجاوات طاقة متجددة

خفض الاستيراد وفتح أبواب التصدير

فجوة الغاز تتسع إلى 3 مليارات قدم يوميًا.. والطاقة النظيفة فى الصدارة

 

فى خضم الاضطرابات الجيوسياسية المتسارعة، وعلى رأسها تداعيات التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب الإيرانية، برزت قضية أمن الطاقة كواحدة من أخطر التحديات التى تواجه اقتصادات العالم. وفى هذا السياق، تتحرك مصر بخطى متسارعة لإعادة تشكيل خريطة الطاقة لديها، عبر التوسع فى مصادر الطاقة النظيفة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، فى محاولة لتحقيق معادلة صعبة تجمع بين الاستدامة والاكتفاء الذاتي. غير أن هذا التحول، رغم زخمه، يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة الدولة على الاعتماد الكامل على الطاقة المتجددة فى مواجهة أزمات الوقود العالمية.
وخلال السنوات الأخيرة، نجحت مصر فى تحقيق تقدم ملحوظ فى ملف الطاقة النظيفة، مدعومة باستثمارات ضخمة ومشروعات استراتيجية كبرى. وتُعد محطة بنبان للطاقة الشمسية فى أسوان نموذجًا بارزًا لهذا التحول، حيث تنتج نحو 1.8 جيجاوات، لتصبح واحدة من أكبر محطات الطاقة الشمسية على مستوى العالم، وتسهم بشكل فعال فى دعم الشبكة القومية للكهرباء.
كما توسعت الدولة فى مشروعات طاقة الرياح، خاصة فى مناطق خليج السويس والبحر الأحمر، التى تتمتع بواحدة من أعلى سرعات الرياح عالميًا، ما يجعلها بيئة مثالية لتوليد الكهرباء النظيفة. وتؤكد هذه التحركات التزام مصر بتنفيذ استراتيجيتها الوطنية للطاقة، والتى تستهدف رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى نحو 42% من إجمالى مزيج الطاقة بحلول عام 2030.
وتشير التقديرات الرسمية إلى أن عام 2026 سيشهد إضافة نحو 2500 ميجاوات من القدرات المتجددة، فى خطوة تعزز من قدرة الدولة على مواجهة الطلب المتزايد على الكهرباء، خاصة خلال فترات الذروة فى فصل الصيف.
الأزمة العالمية تدفع نحو تسريع التحول
لم يكن تسارع مصر نحو الطاقة النظيفة بمعزل عن التطورات العالمية، إذ ساهمت الأزمة الراهنة فى أسواق الطاقة، وارتفاع أسعار النفط والغاز، فى إعادة ترتيب أولويات الدول. وتعتمد مصر بشكل كبير على الغاز الطبيعى فى توليد الكهرباء، ما يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، خاصة فى ظل التوترات الجيوسياسية.
وفى هذا الإطار، تعمل الحكومة على تحقيق توازن دقيق بين التوسع فى الطاقة المتجددة والحفاظ على استقرار الإمدادات التقليدية، عبر زيادة الاستكشافات البترولية وسداد مستحقات الشركاء الأجانب، إلى جانب تنفيذ برامج لترشيد استهلاك الطاقة وتحسين كفاءة الاستخدام، خاصة فى القطاع الصناعي.
ورغم هذا التقدم، لا تزال هناك تحديات جوهرية تحول دون تحقيق الاكتفاء الكامل من الطاقة النظيفة على المدى القصير. فمصادر مثل الشمس والرياح تعتمد بطبيعتها على الظروف المناخية، ما يجعل إنتاجها متقلبًا وغير مستقر، وهو ما يفرض الحاجة إلى وجود مصادر بديلة أو احتياطي، بالإضافة إلى محدودية تقنيات تخزين الطاقة والتكلفة الاستثمارية العالية ما يزيد من الأعباء التمويلية على الدولة.
فائض كهربائى ولكن..
فى هذا السياق، يرى خبراء أن مصر تمتلك بالفعل فائضًا فى إنتاج الكهرباء، يتيح لها تلبية احتياجاتها المحلية بل والتصدير أيضًا، إلا أن التحدى الحقيقى يكمن فى استدامة هذا الفائض فى ظل تقلبات سوق الطاقة العالمية.
ويؤكد المتخصصون أن تنويع مصادر الطاقة يمثل الحل الأمثل، من خلال التوسع فى الطاقة الشمسية والرياح، إلى جانب استغلال مصادر أخرى مثل الطاقة المائية والهيدروجين الأخضر، الذى يُعد أحد أبرز رهانات المستقبل، خاصة فى ظل الطلب العالمى المتزايد على الطاقة النظيفة.
كما يشيرون إلى أهمية تطوير الشبكات الذكية وربط محطات الإنتاج بشبكات توزيع متطورة، بما يسمح بإدارة أكثر كفاءة للأحمال الكهربائية وتجنب الانقطاعات، خاصة خلال فترات الضغط.
وضمن استراتيجية التنويع، تراهن مصر أيضًا على دخول الطاقة النووية إلى مزيجها الطاقي، مع خطط لتشغيل عدد من المفاعلات النووية بحلول 2028-2029، بطاقة إنتاجية تصل إلى 4800 ميجاوات، ما يمثل إضافة نوعية لقدرات التوليد المستقرة.
وفى الوقت ذاته، يتزايد الاهتمام بمشروعات الهيدروجين الأخضر، الذى يمكن إنتاجه من مصادر الطاقة المتجددة وتصديره إلى الأسواق العالمية، بما يعزز من مكانة مصر كمركز إقليمى للطاقة النظيفة.
سنوات من العمل
ومع امتلاك مصر إمكانات هائلة تؤهلها للتحول إلى لاعب رئيسى فى سوق الطاقة النظيفة، إلا أن تحقيق الاكتفاء الكامل لا يزال يتطلب سنوات من العمل والاستثمار. وتشير التقديرات إلى أن الوصول إلى هذا الهدف قد يستغرق ما بين 10 إلى 15 عامًا، فى ظل الحاجة إلى تطوير البنية التحتية، وتعزيز قدرات التخزين، وجذب استثمارات إضافية.
وفى هذا السياق، أكد الدكتور مدحت سابق، خبير الطاقة، أن مصر تمتلك بنية قوية فى قطاع الكهرباء تؤهلها لتحقيق الاكتفاء الذاتي، بل والانطلاق نحو التصدير، مع الاعتماد المتزايد على مصادر الطاقة النظيفة كخيار استراتيجى لمواجهة الأزمات.
وأوضح سابق، فى حديثه لـ «الوفد»، أن القدرة الإنتاجية لمصر من الكهرباء تتراوح بين 60 إلى 68 جيجاوات، وهو ما يمنحها فائضًا يمكن استغلاله فى التصدير، خاصة فى ظل وجود محطات كهرباء حديثة وشبكات ربط إقليمى تتيح نقل الطاقة بكفاءة إلى الأسواق المجاورة. وأشار إلى أن هذا الفائض يعكس نجاح الدولة فى تنفيذ خطط توسعية خلال السنوات الماضية، ما جعلها فى موقع متقدم مقارنة بعدد من دول المنطقة.
وأضاف أن الأزمة الأخيرة المرتبطة بالحرب الإيرانية كشفت عن مرونة نسبية فى إدارة ملف الطاقة داخل مصر، حيث نجحت الدولة فى التعامل مع التحديات من خلال إجراءات ترشيد الاستهلاك، إلى جانب الاعتماد الجزئى على مصادر الطاقة النظيفة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
ورغم ذلك، أشار إلى وجود مخاوف تتعلق بتأمين إمدادات الوقود والغاز الطبيعي، خاصة فى ظل الضغوط العالمية، وهو ما دفع الحكومة إلى العودة مجددًا إلى سياسات الترشيد، بما فى ذلك تقليل استهلاك الكهرباء فى بعض القطاعات، وإغلاق المحال فى أوقات محددة.
مخاوف من تخفيف الأحمال
وتطرق خبير سوق المال إلى احتمالات اللجوء إلى تخفيف الأحمال خلال فصل الصيف، متوقعًا أن تصل فترات الانقطاع إلى نحو ساعة يوميًا، بهدف توفير ما يقارب 2.8 ألف ميجاوات يوميًا. لكنه شدد على أن هذا الحل ليس الأمثل، نظرًا لتأثيره السلبى على الأنشطة الاقتصادية والخدمية.
واقترح «سابق» بديلًا أكثر كفاءة، يتمثل فى تشغيل محطات الكهرباء بنظام التناوب، بدلًا من فصل التيار بشكل كامل، بما يضمن تقليل الضغط على الشبكات والمحطات، والحفاظ على استقرار الخدمة. وأوضح أن وجود شبكات ربط متطورة بين محطات الإنتاج والتوزيع يتيح مرونة كبيرة فى إدارة الأحمال وتوجيه الكهرباء إلى المناطق الأكثر احتياجًا.
وأكد «سابق» أن مستقبل الطاقة فى مصر يعتمد بشكل أساسى على التوسع فى استخدام المصادر النظيفة والمتجددة، مشيرًا إلى ضرورة الاستفادة من الإمكانات الطبيعية المتاحة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وطاقة المد والجزر.
ولفت إلى أن مصر تمتلك فرصًا واعدة فى مشروعات مثل منخفض القطارة، والسدود، والبحيرات، والتى يمكن استغلالها لتوليد الكهرباء، حتى وإن كان ذلك على نطاق محلى يخدم المناطق المحيطة، ما يخفف الضغط على الشبكة القومية.
كما أشار إلى أهمية مشروعات الهيدروجين الأخضر، التى تمثل مستقبلًا واعدًا للطاقة، ليس فقط لتلبية الاحتياجات المحلية، ولكن أيضًا للتصدير، فى ظل الطلب العالمى المتزايد على مصادر الطاقة النظيفة منخفضة الانبعاثات.
الطاقة النووية تدخل المشهد
وفى إطار تنويع مزيج الطاقة، كشف «سابق» عن أن مصر تستعد لدخول مرحلة جديدة مع تشغيل 4 مفاعلات نووية بحلول عامى 2028 و2029، بإجمالى قدرة إنتاجية تصل إلى 4800 ميجاوات. وأكد أن هذه الخطوة ستسهم فى تعزيز استقرار الشبكة الكهربائية، وتوفير مصدر طاقة مستدام وآمن يدعم خطط التنمية طويلة الأجل.
واختتم خبير سوق المال حديثه بالتأكيد على أن مصر تمتلك مقومات قوية لتحقيق أمنها الطاقي، سواء من خلال الفائض الحالى فى إنتاج الكهرباء أو عبر التوسع فى الطاقة النظيفة. إلا أنه شدد فى الوقت نفسه على ضرورة تبنى سياسات أكثر مرونة وكفاءة فى إدارة الموارد، والاعتماد على الابتكار والتكنولوجيا الحديثة لتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي.
مصر ملاذ آمن للطاقة
وأكدت الدكتورة منال متولي، خبيرة الطاقة والبترول، أن مصر نجحت فى تعزيز موقعها كأحد أبرز مراكز الاستقرار الطاقى فى المنطقة، رغم تصاعد تداعيات الأزمة العالمية الناتجة عن الحرب الإيرانية، مشيرة إلى أن الدولة باتت تمثل «ملاذًا آمنًا للطاقة» فى ظل اضطرابات الأسواق الدولية وارتفاع أسعار الوقود.
وأوضحت «متولى»، فى حديثها لـ «الوفد»، أن الاقتصاد المصرى أظهر قدرة على الصمود، مدعومًا بنمو بلغ نحو 5.3%، إلى جانب الموقع الجغرافى الاستراتيجى الذى يعزز من فرص التحول إلى مركز إقليمى للطاقة، لافتة إلى أن المشروعات القومية فى قطاعى البترول والطاقة لعبت دورًا محوريًا فى دعم هذا التوجه.
وأضافت أن مصر عززت مكانتها الإنتاجية إقليميًا، وأصبحت تحتل موقعًا متقدمًا على مستوى إفريقيا فى قدرات التكرير بإجمالى نحو 40 مليون طن سنويًا، وهو ما يعكس قوة البنية التحتية لقطاع الطاقة.
وفى إطار تأمين الإمدادات، أشارت «متولى» إلى أن الدولة تبنت استراتيجية تنويع مصادر الطاقة، بما يضمن استمرارية التغذية لكافة القطاعات، موضحة أن مصر لجأت إلى تأجير 5 سفن لإعادة تغييز الغاز الطبيعى المسال، بطاقة إجمالية تبلغ 2.7 مليار قدم مكعب يوميًا، فى خطوة استباقية لمواجهة أى نقص محتمل فى الإمدادات.
وأكدت أن مصر تمتلك مقومات قوية للتوسع فى الطاقة المتجددة، حيث تقع ضمن أعلى نطاق للإشعاع الشمسى عالميًا، إلى جانب امتلاكها مواقع متميزة لإنتاج طاقة الرياح، وعلى رأسها منطقة جبل الزعفرانة، التى تعد من أبرز مناطق توليد الطاقة النظيفة فى البلاد.
فجوة الغاز.. وضغوط الاستيراد
ورغم هذه المقومات، كشفت خبيرة الطاقة عن وجود فجوة بين الإنتاج والاستهلاك، موضحة أن إنتاج مصر من الغاز الطبيعى يتراوح بين 3.9 و4.1 مليار قدم مكعب يوميًا، فى حين يصل الاستهلاك إلى ما بين 6.2 و6.8 مليار قدم مكعب، ويرتفع خلال فصل الصيف إلى نحو 7 مليارات قدم مكعب يوميًا.
وأشارت إلى أن هذه الفجوة تتم تغطيتها جزئيًا عبر استيراد الغاز، حيث كانت مصر تستورد نحو 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا من إسرائيل، بسعر يقارب 7.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية، مقارنة بأسعار أعلى للغاز المستورد من قطر، والتى تراوحت بين 13 و14 دولارًا قبل أن تقفز بشكل ملحوظ بعد اندلاع الحرب.
وأضافت أن توقف إمدادات الغاز مؤقتًا أدى إلى ضغوط إضافية، مع احتمالات وصول الأسعار إلى 25 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على فاتورة الاستيراد، التى قفزت من نحو 565 مليون دولار شهريًا قبل الأزمة إلى ما يقرب من 1.65 مليار دولار حاليًا.
وأوضحت أن الإمدادات بدأت تعود تدريجيًا، مع استئناف ضخ الغاز من حقل ليفياثان بواقع 200 مليون قدم مكعب يوميًا، قبل أن ترتفع إلى 500 مليون قدم مكعب، فى حين لا يزال حقل «تمار» يعمل بوتيرة أقل من المعتاد.
وعلى صعيد النفط، أشارت «متولى» إلى أن أسعار الخام شهدت ارتفاعات حادة، حيث صعد سعر البرميل من مستويات تتراوح بين 62 و68 دولارًا قبل الأزمة إلى نحو 93 دولارًا، ثم واصل الارتفاع ليصل إلى 116.5 دولار ورغم انخفاضها ما زالت أعلى من معدلاتها ما زاد من الأعباء على الدول المستوردة.
ولفتت إلى أن مصر كانت تعتمد على واردات من الكويت والسعودية والعراق، إلا أن توقف بعض الإمدادات، خاصة من الكويت، زاد من حدة الضغوط على السوق المحلية.
وأكدت أن السولار يمثل التحدى الأكبر، نظرًا لتأثيره المباشر على حياة المواطنين والقطاعات الإنتاجية، حيث قفز سعر الطن من نحو 665 دولارًا قبل الأزمة إلى أكثر من 1660 دولارًا، بزيادة تتجاوز 1000 دولار للطن.
وأوضحت أن مصر تستهلك نحو 24 ألف طن من السولار يوميًا، ما يعنى زيادة فى التكلفة تصل إلى 24 مليون دولار يوميًا، ونحو 720 مليون دولار شهريًا، وهو ما يفسر الضغوط الكبيرة على الموازنة العامة.
وأشارت خبيرة الطاقة إلى أن فاتورة استيراد المنتجات البترولية شهدت زيادات متتالية خلال الأشهر الأخيرة، حيث ارتفعت من 1.2 مليار دولار فى يناير إلى 1.5 مليار دولار فى فبراير، قبل أن تقفز إلى 2.5 مليار دولار فى مارس، فى انعكاس مباشر لتداعيات الأزمة العالمية.
واختتمت «متولى» تصريحاتها بالتأكيد على أن مصر، رغم هذه التحديات، تمتلك أدوات قوية للتعامل مع الأزمة، سواء من خلال تنويع مصادر الطاقة، أو التوسع فى الطاقة المتجددة، أو تطوير البنية التحتية، ما يعزز قدرتها على الصمود وتحقيق التوازن بين تأمين الإمدادات وتقليل الاعتماد على الخارج فى المستقبل.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق