حكم عمل فيديو لشخص ميت بـ الذكاء الصناعي بات اليوم سؤالاً يتردد في عقول الراغبين في استعادة "لحظة وداد" مع من رحلوا.
حسب دار الإفتاء المصرية في فتواها عبر الموقع الرسمي للإفتاء المصرية فإنه مع الطفرة التقنية التي سمحت بتحويل الصورة الصامتة إلى مقطع ناطق يحاكي لغة الجسد ونبرة الصوت، برزت تساؤلات أخلاقية وشرعية معقدة؛ فهل يعد هذا النوع من "الإحياء الرقمي" نوعاً من الوفاء والاستئناس، أم أنه انزلاق نحو تزوير الواقع والاعتراض على القدر؟ في هذا التحقيق، نستعرض الموقف الشرعي والتقني لهذا الملف الشائك.
الذكاء الاصطناعي.. حين يحاكي الكمبيوتر نبض البشر
قبل الخوض في التفاصيل، يجب فهم طبيعة الأداة المستخدمة؛ فالذكاء الاصطناعي هو تلك التقنيات التي تهدف لتمكين الآلات من محاكاة العقل البشري وفهمه، وقد وصلت هذه البرامج إلى مستويات مذهلة تتيح معالجة البيانات لإنتاج سلوك إنساني ذكي.
هذه التقنية لم تعد تكتفي بتعديل ملامح الوجه، بل انتقلت لإنتاج أصوات مركبة وفيديوهات تتحرك فيها الصور الثابتة لتبدو وكأنها نابضة بالحياة، وهو ما يضعنا أمام السؤال الجوهري حول حكم عمل فيديو لشخص ميت بالذكاء الصناعي.
متى يكون "الإحياء الرقمي" مباحاً؟.. ضوابط الاستئناس
تؤكد القواعد الأصولية أن "الحكم على الشيء فرع عن تصوره"، ولذلك فإن حكم عمل فيديو لشخص ميت بالذكاء الصناعي يختلف جذرياً باختلاف المقصد.
حالة الجواز: إذا كان الهدف هو مجرد تحريك الصورة بشكل يماثل حركات المتوفى الطبيعية وكلامه المعتاد، بقصد التذكار، أو الاستئناس، أو استحضار مشاعر السعادة والدعاء له، دون وجود أي غرض تخريبي أو تزوير، فهذا جائز شرعاً؛ لأن "الوسائل لها أحكام المقاصد"، والمقصد هنا هو المودة والترحم.
الوجه المظلم للتقنية.. متى يحرم تزييف الواقع؟
في المقابل، يصبح حكم عمل فيديو لشخص ميت بالذكاء الصناعي محرماً في حالات محددة شدد عليها الفقهاء:
تزييف الحقائق: أن يُظهر الفيديو الميت ناطقاً بما لم يقله في حياته، أو يُنسب إليه فعل لم يلتزم به، أو يُستخدم في شهادة زور؛ فهذا كذب صريح وتزوير للواقع.
الضرر النفسي والاعتراض: إذا كان استخدام التقنية يقصد به "الهروب من الواقع" أو الانحباس في الماضي بشكل يجدد الأحزان ويؤدي للاعتراض القلبي على قضاء الله وقدره، فالمبدأ هنا "لا ضرر ولا ضرار".
أكل أموال الناس بالباطل: استخدام هذه المقاطع للترويج لمنتجات تجارية بشكل وهمي يخدع المستهلكين، وهو ما يندرج تحت باب الغش الذي حرمه الإسلام.
سياج الأخلاق.. سيف ذو حدين
إن الاستخدامات التجارية أو الشخصية لهذه التقنية يجب أن تنضبط بحدود الله. فالمأخوذ غشاً أو خداعاً هو من باب أكل أموال الناس بالباطل، وهو ما حذر منه النبي ﷺ في خطبة الوداع حين قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام». لذا، فإن التبسط في استخدام التكنولوجيا يجب ألا يتحول إلى "حيلة" لقلب الحقائق أو إلباس المحرم ثوب المباح.
الخلاصة الشرعية لمستخدمي التقنية
باختصار، إن حكم عمل فيديو لشخص ميت بالذكاء الصناعي يتأرجح بين الحل والحرمة بناءً على "المآل"؛ فإذا كان المقطع يبهج ولا يخدع، ويقرب بالدعاء ولا يبعد بالاعتراض، فلا حرج فيه، أما إذا دخلت التقنية في نفق الكذب، أو تزوير مواقف لم تحدث، أو إلحاق الضرر بنفسية الأحياء أو سمعة الأموات، فإن السياج الشرعي يمنعها حمايةً للمجتمع من الفوضى الرقمية.


















0 تعليق