945 تيراوات/ساعة بحلول 2030..
حذر مصطفى ناصف، الخبير الدولي في مجال الحوكمة، من التكاليف البيئية الضخمة التي يفرضها التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كاشفاً عما وصفه بمفارقة لافتة بين الطموحات التكنولوجية الجامحة وأهداف الاستدامة العالمية التي تتعهد بها حكومات ومنظمات من حول العالم.
الذكاء الاصطناعي ليس "افتراضياً".. بنية تحتية تلتهم الطاقة
بدأ ناصف بتفكيك الصورة الذهنية السائدة التي تُصور الذكاء الاصطناعي باعتباره تقنية نظيفة أو افتراضية لا أثر مادي لها، مؤكداً أن هذه الصورة مضللة بامتياز، إذ تحجب خلفها بنية تحتية عملاقة تستنزف موارد الطاقة والمياه بوتيرة غير مسبوقة في تاريخ التكنولوجيا.
وتكشف الأرقام التي يوردها الخبير عن حجم هذا الاستنزاف بجلاء، فقد استهلكت مراكز البيانات المشغلة لتقنيات الذكاء الاصطناعي نحو 415 تيراوات/ساعة من الكهرباء خلال عام 2024 وحده، وهو ما يعادل 1.5 بالمئة من إجمالي استهلاك الكهرباء على مستوى العالم.
كما حذر من أن هذا الرقم المقلق ليس سوى مقدمة لما هو أشد وطأة، إذ تتوقع الدراسات أن يتخطى استهلاك مراكز البيانات حاجز 945 تيراوات/ساعة بحلول عام 2030، أي ما يزيد على الضعفين خلال أقل من ست سنوات.
وذهب ناصف في تشخيصه أبعد من مجرد أرقام الكهرباء، مشيراً إلى أن تدريب نموذج واحد كبير من نماذج الذكاء الاصطناعي يستهلك من الطاقة ما يكفي لتشغيل مدينة بأكملها لأيام متواصلة، فضلاً عن استنزاف مليارات الجالونات من المياه سنوياً لأغراض تبريد هذه المنشآت الضخمة، وهو ما يُلقي بظلاله الثقيلة على مناطق تعاني أصلاً من أزمات مائية حادة.
لا يتوقف خبير الحوكمة عند رصد المشكلة، بل يوجه انتقاداً صريحاً لطريقة تعامل عمالقة التكنولوجيا مع التزاماتهم البيئية المُعلنة، ويرى ناصف أن الجزء الأكبر من وعود "الحياد الكربوني" التي تتبناها هذه الشركات يرتكز على آليات تعويض الانبعاثات كزراعة الأشجار وشراء أرصدة الكربون، بدلاً من معالجة جذور المشكلة عبر تقليص الاستهلاك الفعلي للطاقة. وهو ما يجعل هذه الوعود في نظره أقرب إلى الواجهة التسويقية منها إلى الالتزام البيئي الحقيقي.
ويرصد ناصف ثلاثة مظاهر ملموسة لهذه الأزمة باتت تطفو على السطح في مناطق عدة من العالم، الضغط المتصاعد على شبكات الكهرباء الوطنية، ومنافسة مراكز البيانات للمواطنين على الموارد الأساسية، والاستمرار في الاعتماد على مصادر الطاقة غير المتجددة لتلبية الطلب الرقمي المتنامي.
أكد أنه لا يدعو إلى تجميد التطور التكنولوجي أو إيقاف الذكاء الاصطناعي، نظراً للفوائد الحيوية التي تقدمها هذه التقنيات في قطاعات حساسة كالصحة والتعليم والبحث العلمي، بيد أنه يُلح على ضرورة طرح أسئلة جوهرية لم تعد قابلة للتأجيل، هل من الضروري توظيف الذكاء الاصطناعي في كل تطبيق وكل خدمة رقمية؟ وهل كل تطوير تقني يستحق فعلاً التكلفة البيئية التي قد تترتب عليه؟
ويختتم ناصف رؤيته بالدعوة إلى صياغة إطار واضح لـ"حوكمة الذكاء الاصطناعي" على غرار التشريعات المالية والقانونية، إطار يُحدد معايير موضوعية لمتى يكون استخدام هذه التقنية مبرراً ومتناسباً مع تكلفته البيئية، محذراً في ختام كلامه من السيناريو الأشد قتامة، "قد نجد أنفسنا أمام مفارقة قاسية، نستخدم التكنولوجيا لتحسين حياتنا، بينما نُسرع في الوقت نفسه استنزاف الكوكب الذي نعيش عليه".


















0 تعليق