مخلفا سحابة ثقيلة من الحزن والصدمة، رحل الشاعر الشاب محمد أبوالعزايم، عن عالمنا، إثر حادث أليم.
ورغم أنه قد وافته المنية ووري الثرى مساء الخميس، حسب ما صرح به ذووه إلا أن خبر رحيله لم يعلم به أصدقاؤه والوسط الثقافي سوى صباح اليوم السبت، وهو ما ضاعف من حجم الألم والصدمة، التي بدت في منشورات المبدعين من أصدقائه على السوشيال ميديا.
ومحمد أبوالعزايم، كان ذلك الشاعر الهادئ والأنيق في طبعه، الصاخب حرفه، يصحب الألم أشعاره ويطل من عينيه، إلا أن طيب سماته كانت تأبى إلا التبسم في وجه الآخرين ودوام السؤال عن الغائب، والاحتفاء بإبداع أصدقائه والإشارة إليه.
وكما الحزن يسكن قصائده فلم يفارق مصيره، وكان رحيل جسده المبكر عن الحياة، وكأنه يعلن للجميع أنه ما عاد يلتفت لقهر أو ظلم، فقط سيهجر كل شيء ويغادر.
اتسمت أشعار محمد أبوالعزايم بجزالة اللفظ وبساطته، وعمق المعنى، رغم أن إبداعه لم ينل ما يستحق من الشهرة والانتشار.
يعد ديوانه "عند احمرار المواقيت"، الصادر عن دائرة الثقافة بالشارقة عام ٢٠٢٢، تأكيدا لشاعر صاحب مشروع مهتم بإبراز الهوية المصرية من خلال لغة شعرية رصينة، وبعيدة عن الافتعال والتهويم.

قالوا عن أشعاره:
* أحمد بخيت:
وصف الشاعر الكبير أحمد بخيت ديوان "عند احمرار المواقيت" للشاعر محمد أبوالعزايم، بأنه إضافة هائلة لمكتبة الشعر العربي الحديث، حيث استطاع الشاعر من خلاله أن يقدم نفسه كصوت مصري قادر على تقديم مشروع شعري كبير وفارق.
* د. عادل ضرغام
بينما أشاد الناقد الكبير د.عادل درغام، بديوان أبوالعزايم، متحدثا عن قدرته الفائقة على خلق حالة من التناغم المحكم بين المعرفي والجمالي عبر نصوص استطاع من خلالها أن يصل بسلاسة إلى المتلقي من خلال لغة مقتصدة في التجريب، وملائمة للأفكار والرؤي التي طرحها الديوان، والتي جاءت متسقة مع منطقه الإبداعي، وتوجهه العام.
علاقته بأمل دنقل
كان أمل دنقل شاعره المفضل، فولع بأشعاره، وبتجربته الإبداعية والإنسانية، ليشاء القدر أن يجمع بينهما في الرحيل المبكر، مثلما جمعتهما المعاناة من أفاعيل البشر.
يقول واصفا حبه له:
أنا في انخطاف القلب لا لغة تسيل على فمي
حسبي أحبك والسلام.
وفي زيارته لقبره التي حرص عليها، وقف أبوالعزايم أمام قبر أمل دنقل مشدوها، وكأنه يناجيه، أو يخبره بأن القدر سيجمعه به قريبا، هكذا لم يبرحه حتى سال حبه على لسان شعره منشدًا فيه:
سأصمت ريثما يجد اليتيم بلاغة أندى
ومعنى لا يراوده عن الصمت الكلام
ولسوف أرجع كلما نبتت بحلقي شوكة
أو كلما زفرت بروحي وردة
أو كلما صاد الرصاص العطر في رئة العيال الطيبين
وسوف أرجع كلما آنستهم ريشًا يزغرد بين أجنحة اليمام

*بروفايل
ولد محمد أبوالعزايم بمدينة الزقازيق بالشرقية.
حصل على بكاريوس الصيدلة من جامعة الأزهر حصل على المركز الثاني فى مسابقة أدب الجامعات العربية - فرع الشعر- بالجزائر سنة 2002، شارك فى أمسيات للشعراء الشبان على هامش ملتقى شعراء النيلين بالسودان عام 2012.
شارك فى العديد من المؤتمرات والمهرجانات الشعرية داخل مصر، منها مهرجان الأقصر للشعر العربي، والملتقى الأول لنقد الشعر العربي، وشارك بأشعاره في احتفالات وزارة الثقافة المصرية بالعديد من المناسبات مثل الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية، واليوم العالمي للشعر من خلال القراءة على منصات المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية، والمجلس الأعلى للثقافة، ومتحف أمير الشعراء أحمد شوقي ومتحف طه حسين، والعديد من المنصات في محافظات مصر المختلفة.
كما قرأ شعره في كل من السودان والجزائر.
وتناول شعره بالدراسة عدد من أهم النقاد المصريين والعرب الذين يعدونه واحدًا من أهم الأصوات المصرية في جيل الشباب.
وصدر ديوانه " عند احمرار المواقيت" فائزًا في مسابقة دائرة الثقافة بالشارقة عام 2022.
ومن قصائد ديوانه نذكر قصيدة:
( لِخُصلةٍ بيضاء)
----------------------
يمشي إلى غدك الطريقُ
وخلفَهُ تمشي
وتُبطئُ حين يُسرعُ خَطوَهُ لتقوده.
يا أيها الماشي بريءَ البالِ من وجع التساؤلِ ،
ليس إلا من سؤالٍ واحدٍ :
أأرحتَ قلبكَ؟
- لا ؛
ولكن كان يكفي أن أُرَسِّمَ باليقين حدوده.
كفُّ السؤال الآن في كف الإجابةِ
فاحترم جرحًا أصاب القلب من جهة الحقيقةِ؛
واحترس من مِلح أجوبةٍ جديدة.
الآن تُبصرُ
قالها حدسٌ قديمٌ ، كان مدَّ إلى أقاصي ما بلغتَ من اليقين عيونه ؛ فغدت خطاك على الطريق وئيدة.
ألَّا تَرى :
يعني لآخرَ أن يُرتب غيبَهُ في الضفة الأخرى
ويتركَ في المياه رسالةً مكذوبةً
عن تهمة البحر القديمة باشتهاء القاع للسفن الشريدة
ألا تُرى :
يعني لرمل الشط أن ينساب في متن الحكايةِ
راويًا علم الحقيقة،ثم أودع في بريد الريح أجوبةً لتقرأها رؤاك إذا فضضْتَ بريدَه.
فيما يخصُّ الرملَ
-حين احتال مِمحاةً ليمحوَ ،
ثم أقلامًا ليُثبتَ-
كان يُشبه شاعرًا نزف الأمانيَ، والأماكنَ،والنهاراتِ القديمةَ، واللياليَ، والدروبَ
كأن آخرَ دمعةٍ في العين أوَّلُ نجمةٍ في الشعر يقطفها الفتى..والشعرُ أنجمهُ بعيدة!
فيما يخصُّ الريحَ قالت خيمةٌ :
عندي من الأوتادِ والأسبابِ والعللِ التي نذر المجازُ رسوخَها في الرمل ما يكفيه قربانًا لينقذ شاعرًا من مِيتةٍ ليست على صدر القصيدة.
تكفي جراحَ العائدين من الحروب قصيدةٌ
يكفيك جُرحٌ نازفٌ حاربْتَ ألف ضِمادةٍ كي تستزيده.
فيما يخص الثابتَ المنفيَّ:
سوف يهُبُّ من جهتين ما يئدُ الحنينَ المُرَّ في جهتين ؛ كي تبقى الجهاتُ على حيادٍ مُطلَقٍ ، ويمامةُ القلب التي عرفتْ سماءَ العشق عارفةً بها ، ويظلَّ جرحُك في عميق الروحِ لؤلؤةً فريدة.
فيما يخصُّ الجُرحَ:
كم من شرفةٍ في الجرح سوف تُطلُّ للأيامِ محسوبًا على الرائين والآتين من وهَج الحقيقةِ مُمْسكين الضوءَ،لا من هُوَّةٍ للزيفِ
أو من لُمعةٍ كذابةٍ ورؤًى بليدة.
فيما يخصُّ الشِّعرَ:
تروي غيمةٌ عن غيمةٍ
مطرًا يُعمِّدُ بالبصيرة نفسَهُ قبل التداعي الحُرِّ
ثم يُعِدُّ خارطةً
ليُمضيَ حين يهطل وعدَهُ ووعيدَه.
مثلًا :
ليسقيَ رُبعَ قيراطٍ لسيدةٍ تجوبُ بفجلها الساحاتِ _جهرًا_ كي تصون عفافَها ،
فيما ليصفعَ فُلَّ مَن _سرًّا_ تبيعُ على غِنًى
فوق الأسِرَّة فُلَّها ؛ طلبًا لعارض لذةٍ ،
ولقاءَ منفعةٍ زهيدة.
مثلًا :
على قبرٍ لثائرةٍ شهيدة
ليُغسِّل الكتف الذي مَسَّتهُ _في الميدان_ كفٌّ ما لعابرةٍ _تَكشَّفَ زيفُها_
كانت تُلوِّح للعشيق وقد بدا بين الذين على حوافر خيلهم لَمَّا تزل مِزَقٌ من الأكباد تعرفنا ونعرفها ،
ونكتبها على الأبواب والجدرانِ
والأمواج والشطآنِ
والخطواتِ في الطرقاتِ
والأزهارِ في الشرُفاتِ
والصبَّارِ عند القبرِ أغنيةً تُخلِّدُ في القلوبِ نشيجَه ونشيدَه.
مثلًا :
على لغةٍ تباركَ حدسُها ؛ لما نأى بقطيع غزلان المعاني عن قريحة شاعرٍ ما ..
كان أوشك أن يصيده.
كي تشرب الغزلان ما شربتْه من ماءٍ طهورٍ
ثم تركض عائداتٍ نحو شاعرها الذي ما غاب عنه الشعر إلا رحمةً من والدٍ ضل ابنُهُ ؛
فقسا عليه ليستعيدَه.
فيما يخص الصمتَ :
يقتلُ بعضُهُ بعضًا كلامٌ
لم تقُلهُ لخصلةٍ بيضاءَ في شعر الحبيبةِ حين قالت : سوف لا أغري بها الأصباغَ
فابتسمَتْ عيونُك والتفتَّ لها : أحبكِ،ربما هي حكمة القلب الذي علَّمتَ عشقَ الروحِ ،
لا الصورِ التي تمحو قديمَ جمالها أخرى جديدة.
ستقول خاطرةٌ لبالك ذاتَ/ ذاتُ أفْقٍ ضيقٍ:
ماذا لو انك حين قلت لها أحبكِ
كنت زدت _مغازلًا_ مثلًا : أحبك يا جميلةُ،
ثم صُغتَ قصائدًا لحدائق الجسد الذي مُكِّنتَ ما مُكنتَ فيه ، وذلك الخَدَرِ الذي يغشاهُ _ كانَ_ إذا شربتَ لماهُ أو قبَّلت جيدَه !
أوَكان أصغى للذين استننطقوهُ فصار ألسنةً عديدة ؟
أوَلم يُصَلِّكَ في السنين الخمسِ فرضًا إثرَ فرضٍ ،
ثم نافلةً فنافلةً ،
فأورادًا ،
فأدعيةً ،
وكان إذا أتمَّ الشوطَ آثر أن يعيده ؟!
فيما يخص الردَّ:
قُل : صَلَّىٰ.. بغير عقيدة!
فانشقَّ عن محرابهِ ،
واشتقِّ من صلواته _قبل السلامِ_ ديانتينِ ،
وبضعَ عشرةَ نِحلةً ، ومذاهبًا ،
ومضى يُلبي كل محرابٍ دعاهُ
يقيم فيه صلاته ، ويُتم فيه قيامَهُ وقعودَه.
جسدٌ كأنْ بيديه أزهق روحَه ،
فأتاه من كل الجهاتِ مُشيعون يصافحونَ ؛ وكانَ كفًّا نحوهم ممدودةً ، جسدٌ كأنْ بئرٌ أباح لكل قافلةٍ تَمُرُّ ورودَه.
فيما يخص الموتَ :
آجالُ الحكايا ربما تختارُ موتَ حبيبةٍ
لتُعير قاتلةً ملامحها التي تسعي بها في الناس والأسواقِ والطرقاتِ ، إذ تمشي على أنقاضها، سعيًا إلى أوزارها بخُطًى عنيدة.
لك إن تُصادفْ في الدروب شبيهةً لبستْ ملامحها تُلوِّحُ.. أن تلوحَ من بعيدٍ ،
وابتسم ؛
هي لن تضوئَ خافتًا في ذكرياتكَ
لا تُعاتب
كلُّ ما في الأمر أن تبقى بعيدًا..
كل ما في الأمر أن تبقى بعيدة.
فيما يخصك أنتَ :
كم ستكون أجملَ
لو عبرْتَ إلى شواهد ذكرياتكَ فكرةَ الألم العصيِّ ، ورحتَ تنثر وردَ غفرانٍ على قبر الحبيبة، وارتحلْتَ لخصلةٍ بيضاءَ قالتْ سوف لا أغري بها الأصباغ فابتسمتْ عيونكَ ،
والتفتَّ لها:أحبكِ ،
ثم عدتَ إليك منها ،
واحتميت من الحياة بدمعتيك وموتِك الأبهى على صدر القصيدة.
(واحتميت من الحياة بدمعتيك وموتِك الأبهى على صدر القصيدة.) .. هكذا اختتم محمد أبوالعزايم قصيدته، بذكر الموت بين يدي القصيدة، وكأنها نبوءة بموته المبكر..
رحم الله شاعرا كبيرا وأبقى إبداعه.

























0 تعليق