فى ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وانعكاسات الحرب على الاقتصاد العالمى، يواجه قطاع التأمين المصرى ضغوطاً متزايدة، خاصة فى فرع تأمينات السيارات، الذى تأثر بشكل مباشر بارتفاع أسعار المركبات وقطع الغيار وتكاليف الإصلاح، هذه المتغيرات فرضت تحديات جديدة أمام شركات التأمين فى تحقيق التوازن بين الحفاظ على استقرارها المالى وضمان حقوق العملاء، فى وقت تتزايد فيه المطالبات التعويضية وتتسع فجوة الخلافات بين الطرفين.
وفى هذا السياق، جاءت تحركات الهيئة العامة للرقابة المالية لتعيد ضبط إيقاع السوق، حيث أصدرت برئاسة إسلام عزام القرار رقم 897 لسنة 2026، لتعديل ضوابط نسب الاستهلاك فى تأمينات السيارات، استجابة لنتائج قياس الأثر التشريعى ومواكبة للمتغيرات الاقتصادية الراهنة، ويستهدف القرار تحقيق «التعويض العادل» للعملاء، مع الحفاظ على توازن مصالح شركات التأمين، عبر وضع حد أقصى لخصم نسب الاستهلاك من مقايسات الإصلاح، ومنح الشركات مرونة تحديد النسب داخل وثائقها بما لا يتجاوز هذا الحد، ويعكس القرار توجهاً رقابياً أكثر مرونة فى التعامل مع تداعيات الأزمة، خاصة مع ارتفاع القيم السوقية للسيارات المستعملة والجديدة، وما نتج عنه من خلافات حول استبدال قطع الغيار التالفة. إذ أتاح التنظيم الجديد إمكانية الاتفاق بين الشركة والعميل وفقاً لنصوص الوثيقة، سواء بتسليم الأجزاء التالفة أو تطبيق نسب الخصم، بما يسهم فى تقليل النزاعات وتعزيز استقرار السوق التأمينى فى ظل أجواء اقتصادية مضطربة.
وتعليقاً على هذا القرار، تحدث مدحت صابر، العضو المنتدب لشركة «أروب» للتأمين، موضحاً أهم تداعيات الحرب على صناعة التأمين العالمية والمحلية خاصة فى وثائق تأمين السيارات، قائلاً:»عادة ما تؤدى زيادة أسعار الوقود وتكاليف التشغيل إلى ارتفاع قيمة التعويضات التى تتحملها شركات التأمين، وذلك لأن هناك علاقة طردية مباشرة؛ فارتفاع أسعار الوقود وتكاليف التشغيل ينعكس فوراً على تكلفة قطع الغيار، وأجور الإصلاح، وخدمات اللوجستيات، هذا يؤدى لزيادة «متوسط تكلفة المطالبة» خاصة فى تأمينات السيارات والنقل، مشيراً إلى أننا نؤكد على أهمية مراجعة العملاء لـ «كفاية مبالغ التأمين» وتحديث قيم أصولهم دورياً لتتماشى مع التضخم، لضمان الحصول على تعويض عادل يتناسب مع الأسعار الجارية عند حدوث أى حادث وتفادى شرط النسبية.
أما عن التوترات الجيوسياسية فى المنطقة، أشار «صابر» إلى أن التأثير على سوق التأمين، خاصة فى تأمينات النقل البحرى والطيران، تأثير جوهرى، حيث تؤدى هذه التوترات إلى فرض «أقساط أخطار حرب» إضافية وتشدد فى شروط التغطية من قبل معيدى التأمين العالميين، وبما أننا فى «أروب» نعتمد على شراكات مع كبرى شركات إعادة التأمين الدولية، فإننا نعمل جاهدين على موازنة هذه التكاليف وتوفير حلول تأمينية تحمى سلاسل الإمداد وحركة التجارة (البحرية والجوية) مع الحفاظ على استقرار الأسعار قدر الإمكان رغم التحديات الإقليمية.
ولفت العضو المنتدب لشركة «أروب»، إلى أن شركات التأمين، بدأت فى إعادة تقييم المخاطر مع تصاعد الأزمات العالمية وارتفاع أسعار الطاقة، حيث انتقل السوق من مرحلة التسعير التقليدى إلى «التسعير الفنى القائم على البيانات»، حيث نقوم حالياً بإعادة تقييم شاملة للمخاطر، وأسعار الطاقة، وتأثيرها على تكاليف التشغيل ومراجعة حدود التغطيات وانعكاسها على الأسعار مع الاستمرار الاعتماد على التحليل الاكتوارى، منوهاً على أن سوق التأمين المصرى، يمتلك القدرة على استيعاب الصدمات الاقتصادية العالمية المرتبطة بالطاقة والحروب، حيث أثبت مرونة كبيرة بفضل القواعد الرقابية الصارمة التى تضعها الهيئة العامة للرقابة المالية، والتى تفرض معايير دقيقة للملاءة المالية وتكوين الاحتياطيات، نحن نرتكز على قاعدة مالية متينة واتفاقيات إعادة تأمين مع شركات ذات تصنيف عالمى أول مما يمنحنا القدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية المفاجئة وحماية استثمارات عملائنا.
وأكد «مدحت» أن هذه التطورات، تؤدى إلى ارتفاع تكلفة إعادة التأمين عالمياً، حيث إن السوق العالمى يمر بما يسمى «السوق الصلب»، حيث ترتفع الأسعار وتتقلص السعات التأمينية نتيجة الكوارث والأزمات الجيوسياسية، مما ينعكس محلياً فى صورة ارتفاع فى أقساط بعض الوثائق وتشدد فى شروط الاكتتاب للقطاعات عالية المخاطر، وهو ما يتطلب منا ابتكار حلول فنية لتقليل المخاطر لدى العميل بدلاً من مجرد رفع السعر، وعرض استراتيجية خماسية المحاور تمكن شركات التأمين من الحفاظ على ربحيتها فى ظل ارتفاع التكاليف والتعويضات المحتملة، من خلال الاكتتاب الفنى الدقيق، وذلك لضمان تناسب القسط مع الخطر الحقيقى، وضبط المصروفات التشغيلية، عبر التحول الرقمى وتقليل الهدر الإدارى، فضلاً عن تعظيم عوائد الاستثمار، من خلال إدارة محفظة استثمارية متنوعة تتوافق مع السياسات النقدية الحالية، وأخيراً السيطرة على التعويضات، وذلك عبر مكافحة الاحتيال التأمينى والتعاقد مع شبكات إصلاح معتمدة وبأسعار تنافسية، بالإضافة إلى تنويع المحفظة، وذلك لتقليل الاعتماد على قطاع واحد قد يتأثر بالأزمات.
وأختتم كلامه قائلاً:«يمكن أن تلعب شركات التأمين دوراً أكبر فى إدارة المخاطر الاقتصادية الناتجة عن الأزمات الجيوسياسية والطاقة، والذى يتطور من «دافع تعويضات» إلى «شريك فى إدارة المخاطر»، حيث تعمل شركات التأمين على مساعدة الشركات والمصانع على فهم وتوقع المخاطر قبل وقوعها، كما نوفر وثائق مثل تأمين «تعطل الأعمال» هذا الدور يساهم فى دعم استقرار الاقتصاد القومى وتوفير بيئة آمنة للاستثمار حتى فى أصعب الظروف.


















0 تعليق