لفت انتباهي مؤخرا ً ما يتكرر من دعوات أمريكية، كان أبرزها ما صدر عن دونالد ترامب، بشأن توسيع دائرة اتفاقيات أبراهام، مع تركيز خاص على انضمام المملكة العربية السعودية، واعتبارها خطوة محورية في استكمال هذا المسار.
هذه الدعوات، التي وُجّهت في سياقها السياسي مباشرة إلى محمد بن سلمان، لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد تصريحات عابرة، بل تعكس توجها ً استراتيجيا ً واضحا ً نحو إعادة تشكيل خريطة التحالفات في الشرق الأوسط، ونقل المنطقة من مرحلة الصراع التقليدي إلى مرحلة ترتيبات جديدة قائمة على المصالح والتفاهمات الإقليمية.
فلم تعد المعادلة كما كانت لعقود طويلة، حيث كان الصراع يُقدَّم باعتباره صراعا ً عربيا ً / إسرائيليا ً في جوهره، بل نشهد اليوم تحولا ً تدريجيا ً نحو واقع مختلف، تُعاد فيه صياغة الأولويات، وتُقدَّم فيه اعتبارات الأمن والاقتصاد والتحالفات على ما كان يُعد ثوابت سياسية في السابق.
وفي هذا السياق، تمثل اتفاقيات أبراهام نقطة فاصلة في هذا التحول .. فهي لا تعكس فقط تطبيعا ً في العلاقات، بل تؤسس لمرحلة جديدة من إعادة التموضع الإقليمي، حيث لم يعد العداء التقليدي هو المحدد الوحيد للعلاقات، بل أصبح جزءا ً من معادلة أكثر تعقيدا ً.
الأمر الأكثر لفتا ً للانتباه هو التحول في طبيعة المقابل السياسي ؛ فبينما قامت اتفاقيات سابقة، مثل معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، على مبدأ “الأرض مقابل السلام”، جاءت هذه الاتفاقيات لتطرح صيغة مختلفة تقوم على “السلام مقابل السلام” أو “السلام مقابل التطبيع”، دون ارتباط مباشر بانسحاب إسرائيلي من الأراضي الفلسطينية.
وهنا تتجلى نقطة التحول الأهم ؛ ليس فقط في طبيعة الاتفاق، بل في فلسفته.
أما من حيث التسمية، فإن اختيار اسم “أبراهام” لم يكن اختيارا ً عشوائيا ً ؛ بل يحمل دلالة رمزية واضحة، حيث يُنسب إلى النبي إبراهيم عليه السلام، باعتباره رمزاً مشتركا ً في الديانات الإبراهيمية، في محاولة لإضفاء بُعد إنساني قائم على فكرة التعايش والتقارب بين أتباع هذه الديانات.
لكن هنا يجب التوقف وبهدوء.
ففكرة التعايش السلمي بين أصحاب الأديان المختلفة تظل قيمة إنسانية عظيمة وهدفا ً نبيلا ً لا يمكن إنكاره، بل إن استقرار المجتمعات مرهون بقدرتها على إدارة الاختلاف لا إلغائه.
غير أن هذا التعايش، حتى يظل صحيا ً ومتزنا ً، يجب أن يبقى في حدوده الطبيعية .. تعايش يحترم الفروق ولا يذيبها…
ويُقر بالاختلاف ولا يُلغيه، ولا يتحول إلى حالة من تمييع الفوارق بين الأديان أو طمس ما بينها من اختلاف في جوهر العقيدة، بما قد يؤدي إلى التباس الحق بالباطل.
فالمشكلة ليست في التقارب، بل في تجاوز حدوده.
وهنا يظهر الفارق الدقيق بين التعايش كقيمة إنسانية، وبين الذوبان كحالة فكرية قد تُفقد المجتمعات توازنها وهويتها.
في النهاية ؛؛
قد تنجح السياسة في إعادة ترتيب المصالح، وقد تُعيد رسم خرائط التحالفات، لكن تبقى مسألة الهوية وحدودها خارج نطاق أي اتفاق.
فالتعايش السلمي بين الأديان قيمة إنسانية راقية، لا خلاف عليها، بل هي ضرورة لاستقرار المجتمعات .. لكن هذا التعايش لا ينبغي أن يُفهم أو يُقدَّم باعتباره مدخلا ً لخلط الأديان أو تذويب الفوارق العقدية بينها.
فالفرق واضح .. بين احترام الآخر، وبين الذوبان فيه.
وبين التعايش .. وبين محاولة إعادة تشكيل العقيدة.
وهنا تحديدا ً، يجب أن يبقى الوعي حاضرا ً، حتى لا يتحول شعار التعايش إلى مدخلٍ لالتباس المفاهيم، أو طمس الفروق التي تمثل جوهر كل دين.

















0 تعليق