تعديل نظام الدراسة بكليات التربية اصبح ضرورة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الجمعة 03/أبريل/2026 - 04:25 م 4/3/2026 4:25:28 PM

عادت قضية مستقبل كليات التربية فى مصر للظهور مرة أخرى بعد توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي بضرورة تطوير البرامج الجامعية وربطها باحتياجات سوق العمل، حيث لم يعد من المقبول استمرار بعض التخصصات الجامعية في تخريج أعداد كبيرة من الطلاب دون أن تقابلها فرص عمل حقيقية، وقد برز قطاع إعداد المعلم في مقدمة القطاعات التي تحتاج إلى مراجعة جادة وشاملة، خاصة في ظل التوسع الكبير في كليات التربية وبرامجها المختلفة.
وفي الوقت الذي تمتلك فيه مصر حاليا أكثر من 28 كلية تربية حكومية إلى جانب عدد من الكليات المناظرة في الجامعات الخاصة ( 3 كليات ) أصبحت هذه المؤسسات تخرج سنويًا ما يزيد على 50 ألف خريج في مرحلة البكالوريوس، فضلًا عن أكثر من 120 ألف دارس من خريجى مختلف الكليات يحصلون على الدبلوم العام في التربية حتى ولو كان تخصصهم فى مرحلة البكالوريوس أو الليسانس بعيد تماما عن المواد التدريسية فى المدارس، لكن يكون الهدف الأساسى للحصول على مثل هذا الدبلوم العام فى التربية هو مساعدتهم فى دخول سوق الدروس الخصوصية فى المقام الأول والإتجار بهذا الدبلوم فى مجال الدروس.
يحدث ذلك في ظل التوسع الملحوظ في القبول دون تخطيط دقيق يربط بين أعداد الخريجين والاحتياجات الفعلية لسوق العمل التعليمي، وقد إزداد الأمر سوءا مع وقف نظام التكليف لخريجى كليات التربية للعمل فى وزارة التربية والتعليم كمعلمين منذ اكثر من 20 عاما، وكانت النتيجة الطبيعية لهذا الوضع هي تخريج عشرات الآلاف من الشباب سنويًا دون فرص عمل حقيقية، أو دون امتلاك المهارات المهنية الكافية للعمل في مهنة التدريس. وقد ظهر هذا الخلل بوضوح في مسابقات التعيين التي أعلنت عنها وزارة التربية والتعليم خلال السنوات الأخيرة، حيث لم يتمكن عدد كبير من المتقدمين من اجتياز الاختبارات المطلوبة مع أنهم خريجو كليات التربية هذه، بينما تعانى الوزارة في الوقت ذاته من نقص المعلمين في بعض التخصصات.
هذه المفارقة تكشف بوضوح ـ كما يقول د0عادل النجدى العميد الأسبق لكلية التربية جامعة أسيوطـ أن المشكلة لم تعد في نقص الأعداد بقدر ما تكمن في خلل منظومة إعداد المعلم ذاتها، وهو ما يفرض ضرورة إعادة النظر في فلسفة عمل كليات التربية وبرامجها الأكاديمية.
ومن هذا المنطلق بدأت أطروحات جديدة تعود مرة أخرى للظهور لمناقشة مستقبل كليات التربية فى مصر التى تطبق حاليا فى نظامها الدراسى مايسمى ب ( النظام التكاملى ) فى إعداد المعلم والذى يدرس فيه الطالب المواد التخصصية مثل الرياضيات والكيمياء والفيزياء واللغة الإنجليزية وغيرها مع جزء ليس بالقليل أيضا من المواد التربوية التى تعطى للطالب جرعة ثقافية تربوية فى كيفية تدريس هذه المواد وكيفية التعامل تربويا مع الطلاب فى المدارس وأثناء تدريس هذه المواد وقد يطغى حجم هذه المواد التربوية على حجم المواد التخصصية وتكون النتيجة تخريج معلم ضعيف المستوى فى المادة العلمية التخصصية ـ
ولهذا يواجه هذا الشكل من كيفية إعداد المعلم بكليات التربية بالنظام التكاملى ـ يواجه بكثير من الإعتراضات خاصة إذا تغولت المواد التربوية النظرية فى هذه الكليات على المواد التخصصية وبالتالى نخرج طالبا غير متقن بشكل قوى للتخصص فى هذه المواد كالرياضيات والفيزياء والكيمياء مثلما يتم تدريسها بشكل أعمق فى كليات العلوم على سبيل المثال، وبالتالى فإن خريج كليات العلوم والآداب والألسن ـ على سبيل المثال ـ  عندما يحصلون بعد التخرج على دبلوم تربوى بكليات التربية يتم تدريبهم فيه على كيفية التعامل تربويا مع هذه المواد عند تدريسها لطلاب المدارس يكون هذا الخريج من هذه الكليات أقوى فى التخصص من خريجى كليات التربية 0
ـ  من هنا بدأ الكثير من الخبراء يطرحون أفكارا جديدة لتطوير كليات التربية هذه بما يتوافق مع متطلبات سوق العمل وبما يحقق توجيهات القيادة السياسية بربط التعليم بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأولى هذه الأفكار هو تحويل كليات التربية إلى كليات لإعداد المعلم بعد التخرج ( النظام التتابعي ) وتقوم هذه الفكرة على تحويل كليات التربية إلى كليات للدراسات العليا فقط في إعداد المعلم، بحيث تقبل خريجي الكليات الجامعية الأخرى الراغبين في العمل بالتدريس وممن يرتبط تخصصهم بفرص تعليم حقيقية مثل خريجي بعض أقسام كليات ( الاداب والعلوم والتجارة والحاسبات ) وذلك وفق شروط قبول دقيقة واختبارات متخصصة تضمن إختيار أفضل العناصر المؤهلة لهذه المهنة، وهذا يتطلب إيقاف القبول في برامج البكالوريوس بكليات التربية، والانتقال إلى نموذج يعتمد على إعداد المعلم بعد حصوله على درجة جامعية في التخصص، وهو نموذج تطبقه العديد من الدول التي تسعى إلى رفع جودة إعداد المعلمين.
ـ كما يطرح هؤلاء الخبراء أيضا أفكارا أخرى لاستحداث دبلوم مهني متكامل لإعداد المعلم من خلال دبلوم مهني في التدريس لمدة عامين دراسيين كاملين، يتضمن مقررات تربوية ومهنية حديثة، مع تخصيص الفصل الدراسي الأخير بالكامل للتدريب الميداني داخل المدارس، بحيث يكتسب الطالب خبرة عملية حقيقية قبل الالتحاق بالمهنة.0
ويطالب هؤلاء الخبراء أيضا بضرورة ربط القبول في برامج إعداد المعلم بالمقررات الدراسية الفعلية في مراحل التعليم المختلفة. ومن ثم يقتصر القبول على خريجي التخصصات التي تحتاج إليها وزارة التربية والتعليم، وفي هذا السياق يمكن استحداث تخصصات جديدة تتناسب مع طبيعة المناهج الحديثة، مثل:
* معلم إدارة الأعمال من خريجي كليات التجارة لتدريس هذا التخصص فى شهادة البكالوريا الجديد فى مسار إدارة الأعمال0  
* معلم الذكاء الاصطناعي من خريجي كليات الحاسبات والمعلومات لتدريس هذا التخصص لطلاب الصف الأول الثانوى بعد أن تم إقراره هذا العام على جميع الطلاب، وتدريسه أيضا لطلاب مسار الهندسة وعلوم الحاسب بشهادة البكالوريا ـ وتدريسه أيضا لجميع طلاب التعليم الفنى بكل تخصصاتهم بعد أن تم إقرار تدريس هذه المادة لجميع طلاب التعليم الفنى بدءا من العام الدارسى القادم أيضا 0
* معلم الاقتصاد من خريجي أقسام الاقتصاد بكليات التجارة والسياسة والاقتصاد0
كما ينبغي فى نظام الدبلوم التربوى بكليات التربية وقف قبول خريجي بعض التخصصات التي لا توجد لها مقررات دراسية في التعليم العام، مثل بعض تخصصات الحقوق أو الخدمة الاجتماعية أو الآداب، حيث لا يرتبط تأهيلهم الأكاديمي مباشرة بالمناهج المدرسية فى مراحل التعليم العام المختلفة 0  
ـ ويؤكد هؤلاء الخبراء أنه على الرغم من أن هذه الرؤية قد تواجه بعض الاعتراضات من جانب المستفيدين من الوضع القائم إلا أن مواجهة الواقع بشجاعة تظل ضرورة وطنية. فالمصلحة العليا للوطن تقتضي إعادة بناء منظومة إعداد المعلم على أسس علمية حديثة بما يضمن تخريج معلمين أكفاء قادرين على قيادة عملية تطوير التعليم وتحقيق طموحات الدولة المصرية في بناء مستقبل افضل لأبنائها لأن إصلاح كليات التربية لم يعد قضية أكاديمية داخل أسوار الجامعات، بل أصبحت قضية وطنية تمس مستقبل التعليم في مصر. فالمعلم هو الركيزة الأساسية لأي نظام تعليمي ناجح، وأي خلل في منظومة إعداده سينعكس حتمًا على جودة التعليم وعلى مستقبل الأجيال القادمة. ومن ثم فإن اللحظة الحالية، في ظل توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي بربط التعليم بسوق العمل، تمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء منظومة إعداد المعلم على أسس علمية حديثة تقوم على الكفاءة والاحتياج الفعلي للسوق. وربما يواجه هذا الطرح بعض الاعتراضات من المستفيدين من الوضع القائم، إلا أن مصلحة الوطن ومستقبل أبنائه يجب أن تظل دائمًا فوق أي اعتبارات أخرى، فالأمم لا تبني نهضتها إلا بمعلم كفء، مؤهل علميًا ومهنيًا، قادر على صناعة المستقبل  

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق