ورقة من موال الوجع

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق
 

اقتحمت القوات العراقية الحدود، واحتلت الكويت، استباح الأخ حمى أخيه، استيقظت الدنيا على غبار آلة القتل تهرس وتريق الدم رخيصًا. استيقظت قريتنا على الفاجعة، بدا الصباح على غير عادته ملتهبًا، برزت شمس أغسطس ناشبة أظفارها؛ تنهش كل ما تحط عليه. الغيطان الخضراء بدت هزيلة، سكنت أعواد الذرة وشجيرات القطن في سكرة المغشيّ عليه، تراص اليمام فوق أشجار الصفصاف حزينًا، يردد لحنه في وجوم، حتى الغربان تكاثفت تنعق مهتاجة، فاحت رائحة الزفارة، وهبت ريح حارة تحمل في جوفها الموت. تلاحقت الأنباء مربكة، واضطربت البيوت محملة بأوجاع البعاد، جلس العجائز أمام الأعتاب في بؤس، تظلل وجوههم قتامة، وتشق الحلوق آهات حادة كأنصال الخناجر، ففي كل بيت مهاجر سافر يتعقب لقمة عيشه.
زعق الراديو الوحيد في شارعنا، جاء صوت المذيع رخيمًا، يقطع الجمل في تأسٍّ، يعدد مشاهد المأساة، يصف طوابير المشردين، ويؤكد دور مصر أم العرب، ودعوتها للاصطفاف إلى جانب أصحاب الحق. في كل دقيقة يهتف عجوز بصوت يشرخه الألم: "متى يتحد العرب؟".
وصل رجل البريد، تراءى من بعيد يهتز جسده الممتلئ فوق دراجته الأطلس السوداء، يمرر يده بمنديل محلاوي أحمر فوق وجهه المكتنز بالاحمرار. تقاطر الجميع خلفه في طابور طويل إلى بيت شيخ البلد، تصاعدت همهمة، يتقلب الأهالي على جمر الفزع، ولا يزال الرجل ينضح خيوط العرق المتراكمة حول ثنايا رقبته. عاجلهم، مغضنَ الجبين: "خير يا جماعة فيه إيه؟ شوية هوا الدنيا صهد". عندها لم يجد شيخ البلد من بدٍّ غير أن يتخلى عن وقاره، زعق بصوت مجلجل، فابتعد الناس في تذمر. تناول البوسطجي الجريدة من مخلاته، فردها بيد معروقة في تأنٍّ، بلل أصابعه من لعابه، وشرع بيد مرتجفة يقرأ تفاصيل الغزو بصوت متكسر تعلوه نبرة الألم.
اقترب منه شيخ البلد بوجهه الغليظ، أخذ من الهواء نفسًا طويلًا. اكتظت الجريدة بمشاهد الفارين من جحيم الحرب؛ نساء وأطفال وشيوخ تتجمد الدموع في مآقيهم، يطوف الخوف بملامحهم، وقد افترشوا الحدود. جهر البوسطجي بقراءة متأنية للعناوين: "كارثة عربية مفزعة"، "مبارك يتصل بأمير الكويت وفهد لبحث الأزمة". فجأة انفجر نحيب مكتوم لامرأة أربعينية، قالت بصوت يقطر مرارة: "وماذا عن زوجي؟ إنه في الكرادة"، لم يحفل بها أحد، وتلهى صغيرٌ كانت تحمله بحجرها، يمتص صدرًا أعجف في إعياء. اقتربت مسنة متهدمة، نظرت إليهم بعين تائهة، قالت والخيبة تملأ نفسها: "عبد الله ابني في البصرة".
ألقى الرجل بالصحيفة، وعاد يمرر منديله فوق جبهته مشمئزًا. خيّم على المكان صمت قاتل، تسللت نسمات هادئة من أنفاس الصيف، كسرت حرارة الشمس ولهيبها المستعر. لم يتوقف الراديو عن إذاعة البيانات الرسمية تسرد معاناة النازحين، لكنها لم تذكر شيئًا عن "عبد الله". في المساء يفترش الناس الدروب، يلهثون خلف بصيص الأمل، كثرت الأقاويل، وتفجرت الشكوى، وذاع الخبر: لقد قتل "صدام" المصريين لتعاطفهم مع الكويت! عندها ألهب الرجال ظهور الركائب، يجوبون القرى، يسألون العائدين. امتلأت البيوت بالصحف، وتعود الناس السهر حتى الفجر، تشابهت الليالي، شاخت المصابيح وتهدلت أنوارها، تكاثفت طبقات الظلام، اختلطت أصوات البكاء، وتزاحم صراخ الصغار، وفاضت الأفواه بمرارة الخوف.
تغافل الناس عن سخافات موظف الري وإتاوته التي فرضها، ونوبات الري البعيدة، وعن ارتفاع أسعار السماد، وعن الذئب الغريب الذي عاد ثانية يهاجم المواشي وقت الظهيرة. بمرور الوقت أصبح حديث العائدين شيئًا يبعث على التسلية، والوحيد القادر على أن يخفف من أنفاس الركود المميت في الحقول، حتى نهنهة العجائز ملّتها الآذان، وأصبحت ضجيجًا أجوفَ كالطبل، أما الراديو فلا تزيد كلماته عن الخذلان، وعن الآمال المعلقة بالعودة للديار.
بعد مدة عاد "محروس"، كان أول العائدين، ظهر متعب الأعصاب، منهوك القوى، أقرب للأموات منه للأحياء، تائهًا لا تستقر نفسه على قرار، تفيض أحاديثه حرقة عن الدمار والشتات، وعن المدن التي التهمها الخراب. بعدها بأسابيع رجع البقية؛ يحملون في صدورهم الانكسار، وفي أيديهم حقائب مهترئة، هي كل ما تبقى لهم من غربتهم.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق