- الدراسة توضح «متى» و«كيف» بدأت الأسماك الحديثة فى الظهور مستمرون فى استكشاف تاريخ الحياة
أكد الدكتور هشام سلام، أستاذ الحفريات الفقارية بجامعة المنصورة ومؤسس مركز «سلام لاب» البحثى، أن الدراسة الجديدة، التى قادتها الدكتورة سناء السيد، عضو المركز، ونشرتها مجلة «Science Advances»، أمس الأول، تعد كشفًا عالميًا مهمًا حول نشأة الأسماك الحديثة بعد فترة قصيرة من الانقراض الجماعى الذى وقع فى نهاية العصر الطباشيرى.
وأوضح «سلام»، خلال حديثه لـ«الدستور»، أن الفكرة البحثية، التى بدأت وقت عزلة كورونا وتحولت خلال سنوات من العمل والجهد إلى دراسة علمية دقيقة ومحكمة، تؤكد أن مصر انتقلت من موقع «المتابع» إلى «المنتج للعلم»، وهو ما يعزز من الحضور المصرى فى العلوم الطبيعية الحديثة.
■ كيف تصف مشاعرك بعد نشر مجلة «Science Advances» مؤخرًا ورقة بحث الدكتورة سناء السيد، الباحثة بمركز «سلام لاب» للحفريات الفقارية، عن نشأة الأسماك الحديثة؟
- الشعور الأول الذى سيطر علىّ هو مزيج من الدهشة والامتنان، مع استرجاع كل تفاصيل الرحلة الطويلة، فعندما ترى بحثًا علميًا يصل إلى هذا المستوى من التأثير فأنت لا تتذكر فقط لحظة النشر، بل تتذكر كل سنوات العمل الميدانى فى الصحراء، وكل الساعات الطويلة فى المختبر، وكل مرة كان فيها السؤال العلمى أكبر من الإجابة المتاحة.
والدكتورة سناء السيد تحديدًا كانت فى قلب هذه الرحلة، ولم تكن مجرد باحثة مشاركة، بل كانت تقود أجزاءً أساسية من التفكير والتحليل والصياغة العلمية، وعملت لسنوات طويلة بإصرار شديد، حتى خرجت الورقة البحثية بهذا الشكل المتماسك.
ولهذا أقول لها بكل تقدير: شكرًا، وشرفتينا، وأتمنى أن تكونى فى المرحلة المقبلة قائدة لهذا الفريق بروح أكثر اتساعًا وطموحًا.
■ وكيف بدأت فكرة هذا البحث؟ وكيف تحولت إلى اكتشاف علمى كبير؟
- البداية لم تكن مشروعًا علميًا ضخمًا كما قد يتخيل البعض، بل كانت أقرب إلى سؤال بسيط خلال فترة عزلة كورونا، فحينها بدأ التفكير فى كيفية فهم ما حدث للحياة البحرية بعد انقراض الديناصورات، وكيف استطاعت النظم البيئية أن تعود للحياة بهذه السرعة النسبية.
وهذا السؤال تحول تدريجيًا إلى مشروع بحثى متكامل، ثم إلى رحلات ميدانية فى الصحراء الشرقية، حيث الصخور التى تحمل داخلها سجلًا جيولوجيًا نادرًا، ومع كل طبقة صخرية كنا نكتشفها كان السؤال يكبر أكثر، وكانت الصورة العلمية تتضح تدريجيًا، حتى وصلنا إلى هذا النموذج التفسيرى الجديد لنشأة الأسماك الحديثة.
■ ما الذى يجعل هذا الاكتشاف مختلفًا عن الدراسات السابقة فى المجال نفسه والمتعلقة بفترة ما بعد انقراض الديناصورات؟
- الاختلاف الأساسى هو أن هذا البحث لا يقدم مجرد تفسير نظرى، بل يعتمد على دليل أحفورى مباشر من موقع جيولوجى عمره أكثر من ٦٢ مليون سنة، وهذا الموقع يمثل نافذة حقيقية على مرحلة حرجة من تاريخ الأرض، وهى الفترة التى أعقبت الانقراض العظيم مباشرة. والدراسة لا تتحدث فقط عن «ماذا حدث»، بل تقدم إطارًا زمنيًا دقيقًا يوضح «متى وكيف» بدأت الأسماك الحديثة فى الظهور والتنوع، وهذا النوع من التفاصيل الزمنية الدقيقة هو ما يجعل الاكتشاف مهمًا عالميًا، لأنه يعيد ضبط بعض الفرضيات القديمة حول بطء أو سرعة تعافى الحياة بعد الكوارث الكبرى، خاصة أن مصر كانت وقتها أقرب إلى النطاق الاستوائى، ما جعلها بيئة مهمة لفهم هذه التحولات.
■ كيف يمكن أن تسهم الدراسة فى فهمنا لتاريخ الحياة على الأرض؟
- مع دراستنا، اكتشفنا حدوث احتباس حرارى بعد انقراض الديناصورات، غطى القطب الشمالى والقطب الجنوبى، حيث ذاب الجليد فيهما، وامتلأت البحار والمحيطات حتى أغرقت سواحل القارات، ومصر من هذه السواحل، ما أدى إلى غمر الأرض كلها بالمياه وبدأت تظهر الأسماك الحديثة، التى نراها اليوم فى البحار والمحيطات، ولنتذكر أن وقتها لم يكن هناك بشر.
فى هذا الوقت ظهرت الأسماك فى منطقة استوائية، ومصر كانت أقرب لمنطقة استوائية، وانطلقت كل الأسماك الحديثة إلى العالم كله مثلما نراها اليوم.
■ هل يمكن اعتبار هذا الاكتشاف نقلة فى صورة العلم المصرى عالميًا؟
- عندما تنشر دراسة من مصر فى مجلة عالمية مرموقة مثل « Science Advances» فهذا يعنى أن مصر أصبحت جزءًا من إنتاج المعرفة وليس فقط استهلاكها، أى أننا انتقلنا من موقع «المتابع للعلم» إلى موقع «المُنتج للعلم». والأهم من ذلك هو أن هناك اهتمامًا دوليًا متزايدًا بهذا النوع من الأبحاث، خاصة من المؤسسات العلمية الكبرى ووسائل الإعلام العلمية، وهو ما يعزز من صورة مصر كدولة لها حضور فى العلوم الطبيعية الحديثة.
■ ما المشاريع البحثية الجديدة التى يعمل عليها فريق «سلام لاب»؟
- نواصل استكشاف طبقات صخرية تحمل سجلات غير مكتشفة بعد عن تاريخ الحياة القديمة، وقد تكشف عن تفاصيل إضافية تعمّق فهمنا للتغيرات البيئية التى شهدها الكوكب عبر ملايين السنين، ويمكن القول إن وتيرة الاكتشافات لن تتوقف، لأننا وصلنا اليوم إلى مرحلة نمتلك فيها خبرة علمية وميدانية متراكمة، تتيح لنا طرح أسئلة أكثر عمقًا وتعقيدًا.

















0 تعليق