من بيروت إلى طهران.. أهداف ترامب الاستراتيجية وراء اتفاق لبنان وإسرائيل

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الخميس 04/يونيو/2026 - 09:25 م 6/4/2026 9:25:03 PM

ترامب
ترامب

في خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة في الشرق الأوسط، توصل لبنان وإسرائيل إلى اتفاق وقف إطلاق نار مشروط بوساطة أمريكية مباشرة في واشنطن. هذا الاتفاق الذي أُعلن عنه مؤخرًا يمثل خطوة دبلوماسية حساسة تهدف إلى تهدئة الجبهة الجنوبية اللبنانية، لكنه يأتي محاطًا بتعقيدات كبيرة تتعلق بدور إيران وحزب الله، وبأهداف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاستراتيجية في المنطقة. يفرض الاتفاق وقفًا كاملًا لإطلاق النار من جانب حزب الله، مقابل إنشاء مناطق أمنية تجريبية في جنوب لبنان تخلو من عناصر الحزب، مع السماح للجيش اللبناني بتولي السيطرة في بعض المناطق. وفقًا للبيان المشترك الصادر عن الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل، يعتمد تنفيذ الهدنة على التزام حزب الله الكامل بوقف الهجمات، دون مطالبة فورية واضحة بانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية. هذا التوازن غير المتكافئ يعكس الضغوط الأمريكية على الطرفين، لكنه يثير رفضًا فوريًا من حزب الله الذي يصر على انسحاب إسرائيلي أولًا ويعتبر أي اتفاق بدون ذلك خيانة للمقاومة.

تكمن أهمية هذا الاتفاق في ارتباطه الوثيق بالملف الإيراني. إيران، التي تدعم حزب الله سياسيًا وعسكريًا، تربط أي تقدم في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة بوقف القتال في لبنان. فقد أكدت طهران مرارًا أن أي هدنة مع واشنطن يجب أن تشمل جبهات متعددة، بما في ذلك لبنان، معتبرة أن استمرار الضربات الإسرائيلية يمثل انتهاكًا لأي تفاهم أوسع. وبهذا يصبح الاتفاق اللبناني الإسرائيلي أداة أمريكية لفصل الملف اللبناني عن المواجهة الأوسع مع إيران، مما يسمح لترامب بتحييد تأثير طهران على الدبلوماسية الإقليمية.
يهدف الرئيس ترامب من وراء إنجاز هذا الاتفاق إلى تحقيق عدة أغراض استراتيجية. أولًا، يسعى إلى إضعاف نفوذ إيران في لبنان من خلال دعم اتفاق يقلص قدرة حزب الله على السيطرة على الحدود الجنوبية، ويفتح الباب أمام تعزيز دور الدولة اللبنانية الرسمية. ثانيًا، يريد ترامب فصل مسار المفاوضات مع إيران عن النزاع اللبناني، حتى لا تستخدم طهران الجبهة اللبنانية كورقة ضغط للحصول على تنازلات نووية أو اقتصادية. وثالثًا، يمثل الاتفاق فرصة لترامب لإظهار قدرته على فرض السلام في المنطقة، مما يعزز موقفه الداخلي والدولي كصانع صفقات. في هذا السياق، لم يتردد ترامب في ممارسة ضغط مباشر على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. أفادت تقارير أن ترامب وصف نتنياهو بـ"المجنون" في مكالمة هاتفية حادة، وأمر بإيقاف خطط الضربات على بيروت، محذرًا من أن استمرار التصعيد سيفشل جهوده في التوصل إلى اتفاق مع إيران. هذا الضغط يعكس رغبة ترامب في كبح جماح نتنياهو الذي يرى في استمرار العمليات العسكرية وسيلة لتحقيق أهداف أمنية طويلة الأمد، مثل نزع سلاح حزب الله بشكل كامل. لكن ترامب يفضل النهج الدبلوماسي السريع الذي يخدم أولوياته في تحييد طهران عن الملف اللبنانى وإنهاء النزاعات المكلفة وفتح أبواب التعاون الاقتصادي الإقليمي.
من الجانب اللبناني، يرى بعض القادة الرسميين في الاتفاق فرصة تاريخية لاستعادة سيادة الدولة وتقليص نفوذ حزب الله الذي جر البلاد إلى حروب مدمرة. الرئيس اللبناني جوزيف عون وصف الاتفاق بأنه "الفرصة الأخيرة" لتحقيق هدوء شامل، مع التركيز على نشر الجيش في الجنوب وإعادة إعمار ما دمرته المواجهات. ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر في قدرة الحكومة اللبنانية على فرض سيطرتها في مواجهة رفض حزب الله، الذي يعتبر نفسه المدافع الوحيد عن الحدود ويرفض أي تراجع يمس بترسانته العسكرية. 
أما إسرائيل فترى في الاتفاق خطوة أولى نحو أمن أفضل، لكنها تحتفظ بحق الرد إذا استمر حزب الله في الهجمات. نتنياهو يصر على أن أي سلام دائم يتطلب نزع سلاح حزب الله وإنشاء منطقة عازلة فعالة، وهو ما يتعارض جزئيًا مع الرؤية الأمريكية التي تسعى للتهدئة السريعة. هذا التباين بين ترامب ونتنياهو يكشف عن توترات داخل التحالف الأمريكي الإسرائيلي، حيث يضع ترامب مصالحه الدبلوماسية الأوسع فوق الاعتبارات العسكرية الإسرائيلية المباشرة. في التحليل الأوسع، يمثل هذا الاتفاق محاولة لإعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة. فتحييد إيران عن الملف اللبناني يعني قطع إحدى أذرعها الرئيسية، مما قد يضعف محور المقاومة بأكمله ويفتح الباب أمام صفقات إقليمية جديدة تشمل تطبيع علاقات وتعاون اقتصادي.
غير أن هشاشة الاتفاق واضحة، إذ استمرت الضربات المتبادلة حتى بعد إعلانه، مما يشير إلى أن التنفيذ يواجه عقبات كبيرة على الأرض. حزب الله يرفض الشروط، وإيران تتمسك بربط الملفات، بينما يواصل نتنياهو الضغط العسكري. يبقى السؤال المفتوح: هل سينجح ترامب في فرض هذه الهدنة واستخدامها كرافعة لاتفاق أكبر مع إيران، أم أن ديناميكيات الميدان والرفض المحلي ستفشل الجهود؟ الإجابة تكمن في الأسابيع المقبلة، حيث ستحدد قدرة الأطراف على التنازل مصير المنطقة. في النهاية، يعكس الاتفاق رغبة أمريكية قوية في إنهاء النزاعات المستمرة منذ سنوات، مقابل تحقيق مكاسب استراتيجية طويلة الأمد بتقليص النفوذ الإيراني وتعزيز الاستقرار النسبي. لكن الطريق إلى السلام الدائم لا يزال مليئًا بالعقبات، والتزام جميع الأطراف هو الشرط الأساسي لنجاحه.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق