هناك دلالات مهمة حول لقاءات الرئيس عبدالفتاح السيسى على هامش قمة إفريقيا- فرنسا التى عقدت مؤخرًا فى العاصمة الكينية نيروبى. بينما اتجهت أنظار العالم نحو العاصمة الكينية نيروبى، حيث انعقدت القمة تحت شعار إفريقيا إلى الأمام، يبرز الحضور المصرى ليس فقط كطرف فاعل، بل كمحرك استراتيجى لإعادة صياغة العلاقات القارية مع القوى الدولية، كما قلت بالأمس. ولم تكن لقاءات الرئيس السيسى على هامش هذه القمة مجرد بروتوكولات دبلوماسية، بل كانت ورش عمل سياسية واقتصادية تهدف إلى انتزاع حقوق القارة فى التنمية والاستقرار.
تأتى مشاركة الرئيس فى هذه القمة، واللقاءات الثنائية التى أجراها، فى وقت يعيد فيه العالم ترتيب أولوياته الاقتصادية والأمنية. ولقاءات الرئيس هنا تأتى لتعزز هذا الاتجاه، مؤكدة أن مصر هى الجسر الواصل بين شمال القارة وجنوبها، وبين طموحات الشعوب الإفريقية والقدرات التمويلية الدولية. واتسمت لقاءات الرئيس السيسى على هامش القمة بالتنوع والتركيز على النتائج الملموسة. فعلى صعيد العلاقات الإفريقية، جاء لقاؤه مع الرئيس التشادى محمد إدريس ديبى ليؤكد عمق الروابط التاريخية وضرورة التنسيق المشترك لمواجهة الأزمات الإقليمية عبر الحلول السلمية وصون سيادة الدول. هذا اللقاء لم ينفصل عن الرؤية المصرية الشاملة التى ترى أن أمن دول الجوار، خاصة فى منطقة الساحل والصحراء، جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى.
أما اللقاء مع أنطونيو جوتيريش، سكرتير عام الأمم المتحدة، فقد كان منصة حيوية للمطالبة بإصلاح الهيكل المالى الدولى. لقد نقل الرئيس السيسى صوت القارة بوضوح، مشددًا على ضرورة توفير تمويل مستدام للدول الإفريقية بعيدًا عن أعباء الديون المرهقة، وهى الرسالة التى تتبناها مصر فى كل المحافل الدولية. وتتزامن القمة مع رغبة فرنسية واضحة فى الانتقال من خطاب المساعدات التقليدية إلى نموذج الشراكات الاستثمارية». وفى هذا السياق تبرز لقاءات الرئيس السيسى مع قادة قطاع الأعمال وممثلى منظمات التمويل الدولية كأداة لجذب الاستثمارات نحو مشروعات الربط القارى.
وكان التحول الرقمى والطاقة من الملفات الحاضرة بقوة، حيث استعرضت مصر تجربتها الرائدة فى الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر كنموذج يمكن تعميمه فى القارة. كما ركزت النقاشات على تطوير البنية التحتية، وهو المجال الذى أثبتت فيه مصر تفوقًا كبيرًا عبر شركاتها الوطنية التى تنفذ مشروعات ضخمة فى تنزانيا ورواندا ودول أخرى.
وفى ثنايا الكلمات الرسمية يبرز اهتمام مصرى أصيل بملف الوعى الوطنى. فالدولة المصرية تدرك أن التنمية لا يمكن أن تستقيم دون استقرار مجتمعى يحميه وعى الشعوب بمخاطر الشائعات ومحاولات تقويض المؤسسات الوطنية. إن لقاءات الرئيس السيسى تضمنت تنسيقًا أمنيًا وفكريًا لمواجهة التحديات العابرة للحدود، بما فى ذلك مكافحة الإرهاب وتجفيف منابع الفكر المتطرف، ما يعزز من مكانة مصر كمنارة للوسطية والاستقرار فى المنطقة.
وفى كلمته المرتقبة خلال جلسة العمل المخصصة لإصلاح النظام المالى العالمى، لا يتحدث الرئيس السيسى باسم مصر فحسب، بل يتحدث كقائد إفريقى يدرك فجوة التمويل التى تعوق تحقيق أجندة إفريقيا ٢٠٦٣. وتضمنت المطالب المصرية إعادة هيكلة الديون، لمنح المساحة المالية للدول الإفريقية للاستثمار فى الصحة والتعليم. وكذلك نقل التكنولوجيا لضمان ألا تظل القارة مجرد سوق للاستهلاك، بل مركزًا للتصنيع والابتكار. كما تم التركيز فى اللقاءات على دعم القطاع الخاص، عبر تشجيع الشركات الفرنسية والأوروبية على ضخ استثمارات حقيقية تخلق فرص عمل للشباب الإفريقى. إن لقاءات الرئيس السيسى فى نيروبى تثبت أن السياسة الخارجية المصرية تمر بمرحلة النضج الاستراتيجى. فلم تعد مصر تكتفى برد الفعل، بل أصبحت هى من يطرح المبادرات ويصوغ التوجهات. كما أن أهمية هذه اللقاءات تتجاوز حدود المصالح الثنائية، لتشكل كتلة حرجة من التوافقات الإفريقية الدولية القادرة على تحويل التحديات الحالية إلى فرص للنمو.
وتظل النتائج التى تم التوصل إليها شاهدة على أن الدور المصرى فى إفريقيا ليس طارئًا أو موسميًا، بل التزام استراتيجى ومصيرى يضع مصلحة المواطن الإفريقى فى قلب الأجندة الدولية. مصر ترى أن إفريقيا إلى الأمام ليست مجرد شعار للقمة، بل واقع تصنعه القاهرة بحكمة قيادتها وقوة مؤسساتها.















0 تعليق