كنز الموسيقي الكنسية

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تعد الموسيقى الكنسية القبطية واحدة من أقدم الكنوز التراثية في العالم، فهي ليست مجرد ألحان تُؤدى داخل الجدران الدينية، بل هي "حفريات صوتية" تحمل في طياتها ملامح مصر القديمة وامتزاجها بالروحانية المسيحية المبكرة. وعند الحديث عن حفظ هذا التراث وتوثيقه، يبرز اسم الدكتور راغب مفتاح كحارس أمين لهذا الهيكل النغمي، الذي أفنى حياته في جمع وترميم ألحان صمدت عبر آلاف السنين
يعتبر كتاب موسوعة الألحان القبطية النوتة الموسيقية لليتورجيا القديس باسيليوس" واعمال راغب مفتاح مرجعًا لا غنى عنه لفهم فلسفة الموسيقى الكنسية. لم يتعامل مفتاح مع الألحان بوصفها موسيقى جافة، بل ككيان حي يتنفس التاريخ. ومن خلال مجهوداته، سلط الضوء على حقيقة مذهلة: وهي أن الكنيسة القبطية نجحت في الحفاظ على جوهر الموسيقى المصرية القديمة (الفرعونية) ونقلها إلينا عبر "التسليم الشفاهي" (Oral Tradition).

هذا الكتاب هو نتاج التعاون التاريخي بين الدكتور راغب مفتاح والموسيقار الإنجليزي إرنست نيولاندسميث، والذي استغرق العمل عليه سنوات طويلة (منذ عشرينيات القرن الماضي) لتدوين الألحان التي كانت تُنقل شفاهيًا فقط.

سر التماسك عبر العصور: السؤال الذي يطرحه الباحثون دائمًا  كيف صمدت هذه الألحان أمام موجات التغيير والاحتلال واللغات الوافدة؟ تكمن الإجابة في "نظام التسليم" الذي وثقه راغب مفتاح. الكنيسة اعتمدت على ذاكرة "المعلمين" (المرتلين)، الذين نقلوا النغمة من جيل إلى جيل بدقة متناهية وهذا التماسك يعود لعدة عوامل ركز عليها مفتاح في دراسات.

الارتباط بالطقس، الموسيقى: الكنسية ليست "أداءً حرًا"، بل هي جزء لا يتجزأ من الطقس الليتورجي. كل نغمة لها دلالة زمنية (فرح، حزن، صوم)، مما جعل تغيير اللحن يعني تغييرًا في جوهر العبادة، وهو ما رفضه الوجدان القبطي بشدة.
والوحدة الفنية، بالرغم من اختلاف الأقاليم المصرية، إلا أن اللحن الكنسي ظل موحدًا في جوهره، مما خلق هوية صوتية جامعة صمدت أمام محاولات "التغريب" الموسيقي.

والعمق النفسي: أدرك راغب مفتاح أن قوة هذه الموسيقى تكمن في قدرتها على مخاطبة الروح لا الأذن فقط. هي موسيقى تخلو من "المقامات الراقصة"، وتعتمد على السلم الموسيقي الذي يبعث على التأمل والخشوع، مما جعلها عصية على الاندثار لأنها تلبي احتياجًا روحيًا عميقًا.

التدوين الموسيقي وإنقاذ الهوية
كانت الخطوة الأهم التي قام بها راغب مفتاح هي الاستعانة بالموسيقي العالمي "إرنست نيولاندسميث" لتدوين الألحان القبطية نوطة موسيقية. هذه الخطوة، التي استغرقت سنوات من العمل الشاق، كانت بمثابة "حجر رشيد" جديد للموسيقى. فالتدوين حمى الألحان من النسيان أو التحريف الذي قد يطرأ بسبب الذاكرة البشرية.

يشير مفتاح في كتاباته إلى أن الموسيقى القبطية هي "موسيقى تعبيرية" بامتياز؛ فهي تتبع النص حرفيًا، تطول وتقصر بناءً على المعنى اللاهوتي، وهو ما يسميه علماء الموسيقى "الأنثروبولوجيا الموسيقية". هذا الارتباط العضوي بين الكلمة والنغمة جعل اللحن يتجمد في أنقى صوره عبر العصور
تراث لا يعرف الموت.

إن كتاب وأعمال راغب مفتاح تخبرنا أننا أمام معجزة ثقافية. فبينما اندثرت موسيقى شعوب عريقة، ظلت ألحان "كيرياليسون" و"إبصالية الآحاد" تُرتل بنفس الروح التي رُتلت بها في القرون الأولى.

والموسيقى الكنسية، كما رآها مفتاح، هي جسر يربط الماضي بالحاضر. هي ليست مجرد "فلكلور"، بل هي وثيقة حية تثبت أن الهوية المصرية قادرة على الامتصاص والاستمرار والتماسك مهما بلغت التحديات. وبفضل جهود هذا الرجل، ندرك اليوم أن ما نسمعه في الكنائس ليس مجرد غناء، بل هو صدى صوت الأجداد يتردد في فضاء القرن الحادي والعشرين، شاهدًا على عظمة فن لم ينحنِ أمام تقلبات الزمن.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق