قال خبراء وسياسيون سودانيون إن عودة الحكومة السودانية من بورتسودان إلى الخرطوم تمثل مؤشرًا على التحولات التى طرأت على المشهد الأمنى والسياسى والإدارى فى العاصمة، موضحين أن استئناف مؤسسات الدولة عملها من الخرطوم يعكس توافر قدر أكبر من الاستقرار والقدرة على تأمين مقار الحكومة والمنشآت الحيوية، إلى جانب أهمية الخطوة فى إعادة تفعيل مؤسسات الدولة من مركزها الرئيسى.
من جهته، قال اللواء أمين إسماعيل مجذوب، المحلل السياسى والاستراتيجى السودانى، إن عودة مؤسسات الدولة ترتبط بدرجة كبيرة بتحسن الأوضاع الأمنية وتهيئة البنية اللازمة لاستئناف العمل الحكومى، مشيرًا إلى وجود إجراءات لتأمين العاصمة وأجوائها، إلى جانب تشغيل مطار الخرطوم، ما يعزز قدرة الحكومة على مباشرة مهامها من مركز الدولة.
وأضاف أن وجود الحكومة داخل العاصمة يحمل أهمية سياسية وإدارية، باعتبار أن استمرار عمل مؤسسات الدولة من خارج الخرطوم كان مرتبطًا بالظروف الاستثنائية التى فرضتها الحرب، بينما تتيح العودة استئناف عمل الوزارات والأجهزة الحكومية والإشراف المباشر على إعادة تشغيل المرافق والخدمات.
وذكر أن عودة الحكومة تتزامن مع الاستعدادات الخاصة بعودة المواطنين من مناطق النزوح واللجوء، لافتًا إلى أن هذه العملية تحتاج إلى توافر مجموعة من المتطلبات الأساسية، فى مقدمتها الأمن والخدمات الصحية والمياه والكهرباء ووسائل المعيشة، إلى جانب إعادة تشغيل المدارس والجامعات والمستشفيات والمرافق العامة.
وشدد على أن عودة النازحين واللاجئين لن ترتبط بالقرار السياسى وحده، وإنما بمدى توافر الظروف المعيشية والخدمية والأمنية التى تسمح للأسر بالعودة بصورة مستقرة، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الأسر النازحة لديها أطفال ونساء وكبار سن، ما يجعل توفير الخدمات الأساسية عاملًا حاسمًا فى تحديد توقيت العودة وحجمها.
وفيما يتعلق بالتطورات داخل ميليشيات الدعم السريع، رأى «مجذوب» أن الانشقاقات والخلافات التى ظهرت فى صفوفها تأتى فى سياق الضغوط المتراكمة الناتجة عن طول أمد الحرب، وتغير طبيعة العمليات العسكرية ومناطق انتشارها.
وأوضح أن من بين العوامل المؤثرة فى تماسك القوات «صعوبات الإمداد والخلافات مع بعض المكونات والقبائل»، إضافة إلى العقوبات الدولية التى طالت عددًا من القيادات، فضلًا عن التطورات الميدانية التى فرضت ضغوطًا إضافية على عناصرها.
وأشار إلى أن بعض الخلافات مع المكونات القبلية يمكن أن تنعكس على مستوى التجنيد والتمدد الميدانى، خصوصًا مع استمرار الحرب فترة طويلة، مضيفًا أن غياب تصور واضح بشأن مآلات الصراع ومستقبل الترتيبات السياسية والعسكرية قد يدفع بعض المجموعات إلى إعادة النظر فى استمرارها داخل القتال.
وتوقع «مجذوب» استمرار ظهور تحركات وانشقاقات داخل صفوف الدعم السريع خلال الفترة المقبلة، فى حال استمرت الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية، معتبرًا أن هذه التطورات ستكون جزءًا من المشهد الأوسع المتعلق بمستقبل الصراع السودانى.
واختتم المحلل السياسى والاستراتيجى حديثه بالتأكيد أن المرحلة المقبلة ستتطلب التركيز على الاستقرار الأمنى والسياسى والاجتماعى، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتهيئة الظروف أمام عودة النازحين واللاجئين، إلى جانب معالجة تداعيات الحرب عبر مسارات العدالة الانتقالية، معتبرًا أن تكامل هذه الملفات سيكون ضروريًا لإنهاء حالة عدم الاستقرار، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة فى السودان.
بدوره، قال الكاتب والباحث السودانى وائل محجوب إن الانشقاقات داخل صفوف ميليشيا الدعم السريع تعد تطورًا متوقعًا فى ظل طول أمد الحرب وانتقال العمليات العسكرية إلى مناطق جديدة، مشيرًا إلى أن تصاعد الضغوط الميدانية والاجتماعية يمكن أن ينعكس على تماسك القوات وقدرتها على مواصلة القتال.
وأوضح «محجوب» أن انتقال العمليات إلى شمال كردفان والمناطق القريبة من دارفور يفرض ضغوطًا إضافية على المجتمعات التى ينحدر منها عدد من عناصر الدعم السريع، لافتًا إلى أن هذا العامل الاجتماعى يمكن أن يكون له تأثير على مواقف بعض المقاتلين فى ظل استمرار الحرب وتزايد تكلفتها.
وأشار إلى أن هيئة الاستخبارات العسكرية تمتلك خبرة تراكمية فى التعامل مع الجماعات المسلحة، نتيجة الخبرات التى اكتسبتها خلال الحروب والصراعات التى شهدها السودان، معتبرًا أن هذه الخبرة يمكن أن تساعد فى استهداف نقاط الضعف داخل التشكيلات العسكرية واختراقها أو التأثير فى تماسكها.
وأضاف أن طبيعة «الدعم السريع» نفسها، التى تضم عددًا من العناصر الذين سبق لهم الارتباط بالقوات المسلحة، قد توفر ظروفًا تساعد فى حدوث انشقاقات أو إعادة تموضع لبعض العناصر، خصوصًا مع ارتفاع مستوى الضغط العسكرى والاجتماعى على القوات.
وفيما يتعلق بدعوات الفريق أول عبدالفتاح البرهان، رئيس المجلس السيادى، وأعضاء الحكومة، إلى عودة النازحين واللاجئين، قال «محجوب» إن العودة تمثل تطورًا مهمًا، لكنها تحتاج إلى توافر مجموعة من الشروط الأساسية التى تضمن قدرة الأسر على الاستقرار مجددًا فى مناطقها.
وأوضح أن غالبية النازحين واللاجئين لديهم أسر وأطفال ونساء وكبار سن، وبالتالى فإن قرار العودة لا يرتبط بالوضع الأمنى فقط، وإنما يتطلب أيضًا توافر الخدمات الأساسية، وفى مقدمتها المياه والكهرباء والرعاية الصحية والأمن، وغيرها من الاحتياجات الضرورية للحياة اليومية.
وأشار الباحث السودانى إلى وجود مؤشرات على بدء إعادة تشغيل عدد من المستشفيات التى توقفت عن العمل خلال فترة الحرب، معتبرًا أن استعادة الخدمات الصحية، وغيرها من الخدمات الأساسية يمكن أن تشكل عاملًا مشجعًا على عودة أعداد أكبر من النازحين واللاجئين.
ورأى أن تكامل هذه العوامل قد يؤدى إلى حركة عودة عكسية للنازحين واللاجئين من الدول والمناطق التى لجأوا إليها، إلا أن نقص الخدمات لا يزال يمثل أحد العوامل التى قد تدفع بعض الأسر إلى تأجيل العودة.
وذكر أن استمرار الحرب لنحو ٤ أعوام ترك تداعيات واسعة على حياة النازحين واللاجئين، مشيرًا إلى أن أعدادًا كبيرة من الأسر اضطرت إلى إعادة ترتيب حياتها فى مناطق النزوح واللجوء، بما فى ذلك إلحاق أطفالها بالمدارس هناك.
وأكد أن العودة فى هذه الحالة تحتاج إلى ترتيبات جديدة تتعلق بالتعليم والسكن والخدمات وفرص الاستقرار، معتبرًا أن قرار العودة تحكمه مجموعة من العوامل الأمنية والإنسانية والاجتماعية والخدمية المتداخلة، وليس عاملًا واحدًا منفردًا.















0 تعليق