في ليلة العيد، تعج ورشة صغيرة بالحركة داخل العتبة، حيث يتوافد الجزارون والأهالي لسن السكاكين استعدادًا لذبح الأضاحي في صباح العيد، وسط صوت احتكاك الحديد بالحجر وتطاير الشرر في أرجاء المكان، يعمل الصناع لساعات متواصلة، في أجواء يغلب عليها التركيز والدقة، لتكون الأدوات جاهزة لموسم لا يحتمل التأخير.
يروي الحاج "فهمي محمد" أن أصول عائلته تعود إلى مدينة الإسكندرية، حيث نشأوا فيها، لكن مع اضطراب الأوضاع خلال الحرب العالمية الثانية، اضطر والده أن يهاجر إلى القاهرة بحثًا عن الاستقرار، وبعدما استقر فيها افتتح محلًا لسن السكاكين عام 1940، وبدأ في تعليم المهنة لابنه الأكبر، وبعد وفاة الأب، تولّى الأخ الأكبر مسؤولية نقل الحرفة إلى "فهمي"، الذي تعلمها على يديه، ليستمر مشوار العائلة في الحفاظ على اسم ومكان أسسه والدهم منذ أكثر من ثمانين عامًا.
"زمان مكنش في الإمكانيات الموجودة دلوقتي".. يسترجع العم ذكرياته، مشيرًا إلى أن المهنة شهدت تطورًا كبيرًا مع مرور الزمن وظهور تقنيات حديثة ساهمت في تسهيل العمل، حيث كان سن السكاكين في الأربعينيات يعتمد بشكل كامل على العمل اليدوي، باستخدام الحجر الأبيض الذي كان يُجلب من الجبال، حيث كان العمل يتم بمجهود شخصين؛ أحدهما يتولى إدارة الماكينة التي يُثبت عليها الحجر يدويًا، بينما يقوم الآخر بسنّ السكين بدقة.
ويتابع أن والده كان من أوائل من أدخلوا التطورات الحديثة على مهنة سنّ السكاكين في مصر، وذلك بعد سفره إلى إنجلترا للتعرّف على أساليب العمل هناك، ومن خلال هذه الرحلة، تمكّن من استيراد حجر النار الذي يعمل بالمحركات، وهو ما مثّل نقلة نوعية في المهنة آنذاك، مشيرًا إلى أن أول حجر مستخدم كان ألمانيًا ضخمًا يُدار بالمحركات، الأمر الذي أثار دهشة الناس في البداية، إذ لم يكن مألوفًا لديهم أن يعمل الحجر بشكل آلي دون تدخل يدوي؛ ومع مرور الوقت، بدأت تتطور وسائل التشغيل، فظهرت أنظمة السيور والمحركات الكهربائية، ومع التقدم التكنولوجي المستمر، ظهرت تقنيات أحدث، حرصوا على تعلّمها ومواكبتها لمسايرة متطلبات سوق العمل.
ويضيف سنّان السكاكين أن التعامل مع الأدوات الحادة ليس بالأمر السهل، إذ يتطلب دقة ومهارة عالية، مؤكدًا أن تعلم هذه الحرفة يكون أسهل في سن مبكرة، حيث ينشأ المتدرب عليها ويكتسب تفاصيلها تدريجيًا، بينما يصبح من الصعب اتقانها مع التقدم في العمر، خاصةً لما تنطوي عليه من خطورة، موضحًا أن العمل في هذه المهنة يحتاج إلى احتياطات خاصة، من أهمها توافر المياه بشكل دائم بجانب حجر السنّ، وذلك لأن الاحتكاك يؤدي إلى تسخين السلاح، ما يستدعي تبريده سريعًا للحفاظ على جودته وتجنب تلفه.

















0 تعليق