تتجلى الحكمة والإعجاز العلمى فى قوله تعالى {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} فى سورة النبأ فى التوافق التام بين الوظائف البيولوجية للإنسان والمنظومة الكونية، حيث يفرز الجسم الميلاتونين فى ظلام الليل للراحة وتجديد الخلايا (لباساً)، وينشط فى ضوء النهار للعمل والحركة (معاشاً).
واكتشف العلم الحديث وجود «ساعة بيولوجية» داخل الدماغ تنظم نشاط الأعضاء، وتفرز الهرمونات، وتضبط التفاعلات الكيميائية بناءً على تعاقب الليل والنهار، حيث ينخفض النشاط ليلاً ويزداد نهاراً.
والليل يغطى الأرض بظلامه (لباساً)، ما يحفز الغدة الصنوبرية فى الدماغ لإفراز هرمون الـميلاتونين، وهو المسئول عن تنظيم النوم وتجديد خلايا الجسم، ويقل هذا الإفراز مع الضوء.
والنهار المضيء يهيئ البيئة للإنسان للحركة والسعى للرزق، حيث تنشط الغدد -خاصة الدرقية- لتحويل الغذاء إلى طاقة عالية، وهو ما يتناسب مع بذل الجهد والعمل.
وصف الليل بـ«اللباس» إشارة دقيقة لكونه ساتراً ومهدئاً للجهاز العصبى، ما يحقق الهدوء والسكينة الضرورية لراحة البدن، فى حين أن الضوء «مبصراً» يحفز النشاط الذهنى والبدنى.
تعاقب الليل والنهار ليس مجرد ظاهرة زمنية، بل هو نظام دقيق يضمن توازن الجسم الحى والبيئة المحيطة به، ما يبرز دقة التشريع الإلهى والتوافق بين القرآن والعلوم الحديثة.
فالإنسان- على سبيل المثال- يحتاج إلى أن يسكن بالليل فيخلد إلى شيء من الراحة والعبادة والنوم مما يعينه على استعادة نشاطه البدنى والذهنى والروحى، وعلى استرجاع راحته النفسية، واستجماع قواه البدنية حتى يتهيأ للعمل فى النهار التالى وما يتطلبه ذلك من قيام بواجبات الاستخلاف فى الأرض، وقد ثبت بالتجارب العملية والدراسات المخبرية أن أفضل نوم الإنسان هو نومه بالليل، خاصة فى ساعات الليل الأولى، وأن إطالة النوم بالنهار ضار بصحته لأنه يؤثر على نشاط الدورة الدموية تأثيراً سلبياً، ويؤدى إلى شيء من التيبس فى العضلات والتراكم للدهون على مختلف أجزاء الجسم، وإلى زيادة فى الوزن، كما يؤدى إلى شيء من التوتر النفسى والقلق وربما كان مرد كله إلى الحقيقة القرآنية التى مؤداها أن الله سبحانه وتعالى قد جعل الليل لباساً، وجعل النهار معاشاً وإلى الحقيقة الكونية التى مؤداها أن الانكماش الملحوظ فى سمك طبقات الحماية فى الغلاف الغازى للأرض ليلاً، وتمددها نهاراً يؤدى إلى زيادة قدراتها على حماية الحياة الأرضية بالنهار عنها فى الليل حين يقل سمك طبقات الحماية الجوية تلك بدرجات كبيرة قد تسمح لعدد من الأشعة الكونية بالنفاذ إلى الطبقات الدنيا فى الغلاف الغازى للأرض، وهى أشعة مهلكة مدمرة لمن يتعرض لها لمدد كافية، وهنا كان ذلك الوصف القرآنى بالاستخفاء فى الليل والظهور فى النهار «وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ» (الرعد، آية : 10).


















0 تعليق