فى عالم السياسة، هناك دول تتحرك بردود الأفعال ودول أخرى تتحرك وفق رؤية طويلة المدى تدرك أين تكمن مصالحها الحقيقية، ومصر خلال السنوات الماضية بدأت تستعيد واحدة من أهم دوائر حركتها الاستراتيجية وهى الدائرة الإفريقية بعد سنوات من التراجع الذى سمح لقوى إقليمية ودولية بملء فراغ لم يكن ينبغى أن يحدث من الأساس.
الحقيقة التى يجب التوقف أمامها أن العلاقة بين مصر وإفريقيا لم تكن يوما علاقة مجاملة دبلوماسية أو ارتباطا شكليا تفرضه الجغرافيا فقط، بل كانت دائما علاقة وجود ومصير مشترك، يكفى أن نتذكر أن نهر النيل شريان الحياة للمصريين يبدأ رحلته من قلب القارة، ويكفى أن نتذكر أن الأمن القومى المصرى يرتبط بصورة مباشرة باستقرار محيطه الإفريقى، ويكفى أيضا أن ندرك أن إفريقيا أصبحت اليوم واحدة من أهم ساحات التنافس الاقتصادى والسياسى فى العالم، من هنا يصبح مفهوما هذا الحضور المصرى المتزايد داخل القارة سواء عبر الزيارات الثنائية، أو الاتفاقات الاقتصادية، أو المشاركة المكثفة فى القمم الإقليمية والدولية ذات الصلة بالشأن الإفريقى، وفى هذا الإطار، تأتى مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى قمة «إفريقيا إلى الأمام» التى تستضيفها نيروبى، بحضور الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، إلى جانب عدد كبير من القادة الأفارقة وممثلى المؤسسات الدولية، لتؤكد أن القاهرة أصبحت طرفا حاضرا ومؤثرا فى كل الملفات الكبرى المتعلقة بالقارة.
أهمية هذه القمة لا ترتبط فقط بالحضور السياسى الرفيع وإنما بطبيعة الملفات المطروحة على الطاولة.
هناك حديث جاد عن الأمن والاستقرار.
حديث عن إصلاح النظام المالى العالمى.
حديث عن التمويل المستدام.
حديث عن الطاقة الجديدة.
حديث عن التصنيع الأخضر.
حديث عن التحول الرقمى والذكاء الاصطناعى، وبمعنى أكثر وضوحا نحن أمام مناقشات تتعلق بشكل إفريقيا خلال العقود المقبلة، ومن ثم بشكل المصالح المصرية داخل هذه القارة، المعادلة هنا شديدة الوضوح، إذا لم تكن مصر حاضرة بقوة داخل إفريقيا فإن أطرافا أخرى ستكون أكثر حضورا، وإذا لم تبن القاهرة مصالح اقتصادية حقيقية مع دول القارة، فإن الآخرين سيفعلون ذلك بسرعة كبيرة، ما تحتاجه المرحلة المقبلة ليس فقط حضورا سياسيا قويا وإنما ترجمة هذا الحضور إلى استثمارات ومشروعات مشتركة وشبكات تجارة وتعاون فى التعليم والصحة والزراعة والطاقة والبنية الأساسية.
لدينا خبرات هائلة فى البنية التحتية والطرق والإسكان والزراعة والطاقة والدواء والتعليم، والتكنولوجيا ولدينا القدرة على أن نكون شريكا حقيقيا فى نهضة القارة بدلا من تركها فريسة للاستغلال الخارجى.
إفريقيا ليست عبئا على مصر بل فرصة تاريخية ضخمة، موارد لا تنضب، تحالف سياسى مهم وعمق استراتيجى لا غنى عنه، مصر تعود الآن إلى مكانها الطبيعى فى إفريقيا بعد سنوات من التراجع والغياب تعود بثقل دولة كبيرة، وتاريخ أمة عريقة ورؤية قيادة تعرف جيدا أين تضع قدمها.. حفظ الله مصر جيشا وشعبا وقيادة.

















0 تعليق