الخميس 14/مايو/2026 - 07:35 م 5/14/2026 7:35:19 PM
"بضاعة أتلفها الهوى"، هو حال العمل الثقافي في كثير من مؤسسات مصر الراسخة، التي تستلهم من مقولة المخضرم يحيى شاهين، نبراساً لهدر المال مقابل لقطات إعلامية، تبرز أسفل عناوين فارغة بلا مضامين تنويرية، لتمر مرور الكرام، في خضم فوضى افتراضية، وتجييش لمواقع التواصل الاجتماعي، دفاعاً عن كل قبيح في مواجهة جمال عاجز، واستحواذ من لا يستحق على مالا يستحق، مع الانفراد بصنع القرار ضمن هيكل شمولي مقاوم للتغيير، ينافس بالكاد على فشل أقل من فشل سابق، دون طموح لاستهداف نجاح يلوح في الأفق.
ورغم تردي أحوال جانب من المهرجانات المصرية، فما زالت مصر تمتلك الريادة، بما تحوذه من خبرات وكوادر مهنية وجذور تاريخية تجعل محاولة تقويض قدراتها ضرب من الخيال، حتى مع بزوغ ثقافات إقليمية تستقوي بالمال، الذي يمثل العنصر النشط في معادلة الإبداع، لمساعدته على الاشتعال، ولكن هذا التوهج لا يتحقق إلا بتوافر الأكسجين بين عناصر المعادلة، وهو ما تمثله مصر، كرئة لهذه الثقافات الوليدة، يتجدد دورها من حاضنة لهذه الثقافات ومؤثرةً في روافدها المختلفة، إلى مصدرة للإبداع من خلال مشاعلها الإبداعية العصية على الانكسار، فريادة مصر كانت وما زالت حاضرة في المشهد الثقافي الإقليمي، وتجاهلها يعيد كل من يتجنبها إلى ظلمة مقبضة، مهما تدفقت الأموال، لغرس جذور الإبداع في صحراء بلا نيل يخضب سيقانها بطين الزمن.
لهذا لا أجد فيما سبق ما يقلقني، لأن مصر عامرة بمبدعيها، وبضاعتها لم يتلفها الهوى، لأنها بضاعة ثمينة وفق رؤية نجيب محفوظ ذاته، لكن قد يكون القائمين عليها يحتاجون إلى تأديب وتهذيب وإصلاح، ليدركوا قداسة الرسالة التي يحملونها، وشرف تمثيلهم لمصر وهويتها الثقافية، وهو ما يستوجب إطلاق استراتيجية ثقافية تليق بما تمثله الجمهورية الجديدة من قيم تستهدف في الأساس بناء الإنسان، وهو أمر تتحمله وزيرة جديدة للثقافة، التي تحمل فكراً لم تنكشف ملامحه بعد، كما يتحمله جموع السينمائيين والمثقفين للنهوض بالحركة الثقافية، وإقصاء العناصر الفاسدة التي تتربح من التظاهر بأداء الفعل الثقافي، فقط لتحقيق مكاسب شخصية لا تليق بهذه الحضارة وأصولها الإبداعية التي تمثل جذوراً لا يمكن للمنتفعين اقتلاعها.
وإذا ما اتفقنا على كل ما سبق، فلن نحتاج إلى استدعاء مقولة يحيى شاهين مجدداً، أو حتى استدعاء ترنيمة نهوض قالها ذات يوم زميلي في مجلس إدارة الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما الأمير أباظة، وجسدها في مقطع زجل ركيك ترحيباً بوزير الثقافة السابق خلال الدورة الأربعين من مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، "قومي يا مصر وكبري.... بلا بلا بلا"، لأن قيامة مصر تحققت بالفعل، ولكنها ما زالت تنتظر قيامة مبدعيها، للانتفاض ضد كل تخريب يطال العمل الثقافي عامة والسينمائي خاصة، وذلك بإصلاح عطب المنظومة الثقافية، ووضع تعريفات دقيقة للعلاقة بين المؤسسة الثقافية الرسمية، ومؤسسات المجتمع المدني ذات التوجه الفني والإبداعي، وملايين المبدعين في الوسط الثقافي، وهذا المقال يعد دعوة واضحة ومباشرة لكل من أراد التخلص من أهواء أو مصالح شخصية، وقرر الاصطفاف لمواجهة الفساد سواء كان إدارياً او مالياً في مهرجانات مصر، بغض النظر عن اسم المهرجان، متمنياً أن يمتد الأمر إلى رصد كافة المخالفات في أي موقع ثقافي، ولهذا فقط، بدأت بنفسي، لأعلن هنا عن تدشين حملة وطنية لمواجهة الفساد تحت شعار "مهرجانات مصر.. وتجريد العمل الثقافي من آفة المصالح".


















0 تعليق