في سنواته الأخيرة، عبر الفنان القدير الراحل عبد الرحمن أبو زهرة عن حالة من الغضب والخذلان تجاه ما وصل إليه وضع كبار الفنانين داخل الوسط الفني، بعدما شعر بأنه يتم التعامل معه ومع جيله من الرواد بشكل لا يليق بتاريخهم الطويل ومسيرتهم الفنية الممتدة لعقود.
لم تكن عبارته الشهيرة "اعتزلوني قبل أن أعتزلهم" مجرد جملة عابرة، بل بدت وكأنها صرخة قوية فجرت نقاشًا واسعًا داخل الأوساط الفنية والإعلامية، بعدما عبرت عن إحساس عميق بالتهميش، ورؤية مؤلمة لتغير معايير الصناعة الفنية، التي باتت من وجهة نظره تميل أكثر إلى الوجوه الجديدة والتريند على حساب القيمة والخبرة.
شعور بالتهميش ورفض لأدوار لا تليق بتاريخه
خلال هذه المرحلة، أبدى أبو زهرة انزعاجه من نوعية الأدوار التي كانت تُعرض عليه، مؤكدًا في أكثر من تصريح أنه كان يشعر أحيانًا بأنه يعامل كـ تكملة عدد داخل بعض الأعمال الدرامية، دون مراعاة لتاريخه الفني أو قيمته التمثيلية.
وأشار إلى أن بعض السيناريوهات التي تُعرض على الفنانين الكبار لا تتيح لهم مساحة حقيقية للإبداع، بل تضعهم في أدوار محدودة أو نمطية لا تعكس خبراتهم الطويلة، وهو ما اعتبره شكلًا من أشكال التهميش غير المباشر.
أزمة بين جيل الرواد ومنظومة الإنتاج الجديدة
ووجه الفنان الراحل انتقادات غير مباشرة لمنظومة الإنتاج الحديثة، معتبرًا أن بعض شركات الإنتاج باتت تعتمد بشكل كبير على أسماء محددة، وتتعامل مع كبار الفنانين باعتبارهم مجرد عنصر إضافي لإضفاء ثقل على العمل، وليسوا جزءًا أساسيًا من البناء الدرامي.
كما رأى أن هناك فجوة واضحة بين جيل الرواد وصناع الدراما الجدد، حيث أصبح التركيز حسب رؤيته منصبًا على السرعة والتسويق وعدد المشاهدات، أكثر من الاهتمام بجودة النص والقيمة الفنية.
رفض أدوار ضيف الشرف
ومن أبرز النقاط التي أثارت غضب أبو زهرة كانت فكرة ضيف الشرف، حيث عبر عن رفضه القاطع للظهور في مشاهد قصيرة لا تمنحه مساحة حقيقية لتقديم أداء تمثيلي متكامل، معتبرًا أن ذلك لا يتناسب مع تاريخه الفني الطويل.
وأكد في أكثر من مناسبة أن الفنان الحقيقي يحتاج إلى دور متكامل يعكس قدراته، وليس مجرد ظهور سريع يستخدم كعنصر جذب دعائي، مشيرًا إلى أن هذا النوع من الأدوار قد يُفهم على أنه تقليل من قيمة الفنان وليس تكريمًا له.
دعوات للتضامن ولكن بلا تغيير حقيقي
ورغم موجة التضامن التي صاحبت تصريحاته من بعض الفنانين والنقابة، إلا أن أبو زهرة كان يرى أن هذه الردود لا تمس جوهر المشكلة، لأنها لا تقدم حلولًا حقيقية أو تغييرات في سياسات الإنتاج واختيار الأدوار.
وكان يؤكد دائمًا أن الأزمة ليست في الكلمات أو الدعم المعنوي، بل في آليات العمل نفسها، وفي طريقة تعامل الصناعة مع كبار الفنانين الذين صنعوا تاريخها.
صرخة تلخص أزمة جيل كامل
تحولت كلمات عبد الرحمن أبو زهرة في النهاية إلى رمز لحالة أوسع من الشعور بالتهميش لدى بعض رموز الفن القديم، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة واقع جديد تحكمه معايير السوق السريعة والانتشار الرقمي، أكثر من القيمة الفنية والاستمرارية.
ورغم رحيله، تبقى تصريحاته الأخيرة بمثابة وثيقة إنسانية وفنية تعكس صراعًا بين جيل صنع تاريخ الفن، وجيل جديد يعيد تشكيله وفق أدوات ومعايير مختلفة، ما يجعل صرخته واحدة من أبرز المواقف التي ستظل مرتبطة باسمه في ذاكرة الوسط الفني.
















0 تعليق