من الحجاج إلى المعلم سردينة
شيعت ظهر أمس جنازة الفنان القدير عبدالرحمن أبو زهرة من مسجد الشرطة بمدينة الشيخ زايد، على أن يُقام العزاء اليوم الأربعاء بمسجد المشير طنطاوى فى التجمع الخامس،
رحل أبو زهرة عن عمر ناهز 92 عامًا، بعد صراع مع المرض الذى استهلكه على مدار عامًا كاملًا دخل فى غيبوبة استمرت 3 أشهر حتى وافته المنية، تاركًا وراءه مسيرة ضخمة تنقلت بين المسرح والإذاعة والسينما والتليفزيون، ونجح خلالها فى أن يضع بصمته الخاصة فى كل مساحة اقترب منها، فميزه ثقافته ولغته العربية الرصينة فى أن يضيف إلى شخصياته ويجعلها مميزة وباقية، ونجح فى تجسيد شخصية زعيم الأمة سعد زغلول ضمن أحداث مسلسل الملك فاروق، مستحضرًا هيبته السياسية وحضوره الشعبى بأسلوب اتسم بالصدق والاتزان اعتمد فيه على قوة أدائه وفصاحة لغته ليقدم شخصية تحمل ثقلًا تاريخيًا كبيرًا، فظهر سعد زغلول فى أدائه قريبًا من صورته الراسخة فى الوجدان المصرى، باعتباره قائدًا للحركة الوطنية ورمزًا للنضال ضد الاحتلال. كما نجح فى إبراز الجانب الإنسانى للشخصية، ليضيف إلى الدور عمقًا جعل ظهوره من العلامات المميزة داخل العمل، وارتبط فى أذهان جميع الأجيال بصوته المدبلج للأسد سكار الشرير الذى أصبح علامة مميزة للأطفال لتصيغ أعماله جماهيرية خاصة من كافة الأعمار.
ولد الفنان الراحل فى الثامن من مارس عام 1934، باسم عبدالرحمن محمود أبو زهرة، وتخرج فى معهد الفنون المسرحية عام 1958، بعد حصوله على بكالوريوس المعهد، ثم عمل لفترة موظفًا بوزارة الحربية، قبل أن يلتحق بالمسرح القومى عام 1959، لتبدأ رحلة طويلة مع الفن، كانت خشبة المسرح أولى محطاتها الحقيقية.
ومنذ بداياته الأولى، بدا واضحًا أن الرجل يمتلك مشروعًا فنيًا مختلفًا، أول ظهور مسرحى له جاء من خلال مسرحية «عودة الشباب» للكاتب الكبير توفيق الحكيم، وهى التجربة التى فتحت أمامه أبواب المسرح القومى، ليصبح بعد ذلك واحدًا من أبرز وجوهه، مشاركًا فى عدد كبير من العروض التى شكلت علامات مهمة فى تاريخ المسرح المصرى.
لكن قبل أن يعرفه جمهور التليفزيون، كان عبدالرحمن أبو زهرة قد صنع اسمه داخل الإذاعة المصرية، التى اعتبرها المدرسة الأهم فى تكوينه الفنى. وفى لقاء سابق مع الإعلامية إسعاد يونس ببرنامج صاحبة السعادة، تحدث الفنان الراحل عن تلك المرحلة مؤكدًا أن التليفزيون لم يكن قد ظهر وقتها بالشكل المعروف، لذلك كانت الإذاعة هى نافذته الأساسية نحو الجمهور.
وقال إنه قضى ما يقرب من عشر سنوات كاملة داخل الإذاعة، قدم خلالها عشرات الأعمال والمسلسلات، وتعلم عبر الميكروفون كيف يتحكم فى صوته وانفعالاته وأحاسيسه، وهى الخبرة التى انعكست لاحقًا على أدائه الدرامى. كان يدرك أن الصوت ليس مجرد وسيلة نطق، وإنما أداة تعبير كاملة، لذلك استطاع أن يجعل صوته وحده كافيًا لرسم ملامح الشخصية وإقناع المستمع بها.
وربما لهذا السبب تحديدًا، نجح لاحقًا فى تقديم واحد من أشهر أدوار الدبلجة فى تاريخ السينما العالمية المدبلجة عربيًا، حين أدى بصوته شخصية «سكار» الشريرة فى النسخة العربية من فيلم الأسد الملك، ليصبح صوته جزءًا من ذاكرة أجيال كاملة تربت على الفيلم، وقام بعمل دوبلاج لعدد من أفلام الكارتون التى قدمت بالنسخة العربية من أفلام والت ديزنى الشهيرة وأعتبر أفضل من قدم الدوبلاج منها شخصية جعفر فى «علاء الدين»، و«هاتسو«.
ومع انطلاق التليفزيون، بدأت رحلة أخرى للفنان الراحل، حيث انتقل إلى الدراما والسينما محملًا بخبرة صوتية ومسرحية كبيرة. شارك فى بداياته بأعمال عديدة، منها فيلم «أنا حرة» عام 1959، و«عمالقة البحار» عام 1960، ثم مسلسل «الخاتم الماسي» عام 1961، كما ظهر فى أعمال مهمة مثل «الإخوة الأعداء»، و«عذراء البصرة»، و«الحقيبة السوداء»، وغيرها من الأعمال التى كشفت مبكرًا عن موهبة ممثل قادر على أداء أدوار متعددة ومتباينة.
وفى الستينيات والسبعينيات، أصبح حضوره أكثر وضوحًا فى السينما والدراما، فقدم أدوارًا متنوعة فى أعمال مثل «بئر الحرمان»، و«الاختيار»، و«الشوارع الخلفية»، و«امرأتان»، و«هروب»، و«لحظة اختيار»، كما شارك فى عدد كبير من المسلسلات الإذاعية والتليفزيونية التى رسخت مكانته كممثل يمتلك قدرة نادرة على التنقل بين الشخصيات.
وعلى خشبة المسرح، كان حضوره أكثر عمقًا وتأثيرًا، شارك فى أعمال بارزة مثل «عيلة الدوغري»، و«حلاق بغداد»، و«الفرافير» ليوسف إدريس، و«ياسين وبهية» لنجيب سرور، و«بلاد برة» لنعمان عاشور، وغيرها من المسرحيات التى أكدت قدرته على الجمع بين الأداء المسرحى الكلاسيكى والروح الحديثة فى التمثيل.
وفى مسرحية «الفرافير»، قدم دور «الميت» بأداء شديد الخصوصية، بينما ظهر فى «ياسين وبهية» بروح مصرية خالصة، جعلته قريبًا من الجمهور رغم الطابع النخبوى الذى ارتبط ببعض أعمال المسرح القومى آنذاك. أما مشاركته فى العرض الشهير «الحسين ثائرًا والحسين شهيدًا» للمفكر الكبير عبدالرحمن الشرقاوى، فقد كشفت عن قدرته الكبيرة على التعامل مع النصوص ذات اللغة العربية الثقيلة والإيقاع التاريخى المعقد.
وهنا تحديدًا تتجلى واحدة من أهم سمات عبدالرحمن أبو زهرة الفنية؛ فالرجل امتلك فصاحة لغوية استثنائية، وقدرة كبيرة على النطق السليم والتلوين الصوتى، ما جعله من أنجح الفنانين فى تجسيد الشخصيات التاريخية، لم يكن يؤدى تلك الشخصيات بطريقة خطابية جامدة، بل كان يمنحها روحًا إنسانية، ويجعلها أقرب إلى المشاهد مهما كانت بعيدة زمنيًا.
ومن بين أبرز تلك الشخصيات، جاءت شخصية الحجاج بن يوسف الثقفى، التى قدمها فى مسلسل «عمر بن عبدالعزيز»، لتصبح واحدة من أهم المحطات فى تاريخه الفنى. وقد قال أبو زهرة فى لقاء تليفزيونى عام 2018 إن شخصية الحجاج كانت أحب الأدوار إلى قلبه، لما حملته من تعقيد إنسانى وسياسى، ولما تطلبته من جهد كبير فى الأداء.
فى هذا الدور، لم يقدم الحجاج باعتباره مجرد حاكم قوى أو شخصية تاريخية مثيرة للجدل، بل قدمه بتركيبة نفسية شديدة العمق، تجمع بين الحدة والذكاء والقسوة والثقة، مستفيدًا من صوته القوى وقدرته المدهشة على التحكم فى الانفعالات، كان حضوره فى المشاهد كافيًا لفرض حالة من الهيبة، حتى أصبح كثيرون يعتبرون أداءه للحجاج من أفضل ما قدم على الشاشة العربية.
ولم يكن الحجاج وحده ضمن الشخصيات التاريخية التى أبدع فيها، فقد قدم أيضًا شخصية شاه إيران رضا بهلوى فى مسلسل «ملكة فى المنفى»، الذى تناول حياة الملكة نازلى وعلاقتها بالبلاط الملكى المصرى، كما جسد شخصية الرئيس الراحل محمد نجيب فى مسلسل «ناصر»، واستحضر الزعيم الوطنى سعد زغلول فى مسلسل «الملك فاروق»، فضلًا عن تقديمه لشخصية الشاعر الكبير حافظ إبراهيم فى مسلسل «أمير الشعراء: أحمد شوقي».
كل تلك الشخصيات جمعتها سمة واحدة، هى الثقل والهيبة والحضور، وهى الصفات التى امتلك أبو زهرة القدرة على تجسيدها بصدق شديد، دون افتعال أو مبالغة. كان ممثلًا يعرف كيف يصنع شخصية كاملة من نبرة صوت، أو نظرة عين، أو جملة قصيرة.
ورغم نجاحه اللافت فى الأدوار التاريخية، فإن الجماهيرية الأكبر جاءت عبر شخصية مختلفة تمامًا، هى شخصية «المعلم إبراهيم سردينة» فى مسلسل لن أعيش فى جلباب أبى، التى تحولت إلى واحدة من أشهر الشخصيات فى تاريخ الدراما المصرية.
هذا الدور لم يكن مجرد شخصية ناجحة، بل حالة خاصة ارتبطت وجدانيا بالجمهور المصرى والعربى، حتى أصبح اسم «سردينة» وحده كافيًا لاستدعاء ملامح أبو زهرة وطريقته فى الأداء.
والمفارقة أن هذا الدور الشهير كاد ألا يذهب إليه من الأساس. فقد أن المخرج أحمد توفيق اتصل به مؤكدًا أنه يواجه أزمة حقيقية، بعدما اعتذر عدد كبير من النجوم عن تجسيد شخصية إبراهيم سردينة. وأضاف أن فريق العمل كان قد انتهى بالفعل من تصوير جميع المشاهد التى لا يظهر فيها الدور، انتظارًا للعثور على ممثل مناسب.
ذهب أبو زهرة إلى موقع التصوير ليتعرف على الشخصية، وكان أول مشاهده أمام النجم نور الشريف والفنانة عبلة كامل، ومنذ اللحظة الأولى أدرك الجميع أنهم أمام أداء مختلف.
نجح أبو زهرة فى تحويل «المعلم سردينة» إلى شخصية حقيقية نابضة بالحياة، لا مجرد دور مكتوب على الورق. قدم المعلم الشعبى بخفة ودهاء وحضور إنسانى، فبدا قريبًا من الناس رغم قسوته أحيانًا، ومثيرًا للتعاطف رغم تناقضاته.
وكانت عبقرية الأداء هنا مختلفة عن عبقريته فى الأدوار التاريخية؛ فبدلًا من الفصحى الثقيلة والنبرة السلطوية، لجأ إلى البساطة المحسوبة، والإيقاع الشعبى، والقدرة على خلق علاقة مباشرة مع الجمهور. لذلك ظل الدور حاضرًا فى الذاكرة حتى اليوم، وأصبح واحدًا من أهم أسباب ارتباط أجيال كاملة باسم عبدالرحمن أبو زهرة.


















0 تعليق