دموع أمام نافذة الوداع

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

إطلالة

السبت 09/مايو/2026 - 02:13 م 5/9/2026 2:13:04 PM

في حياتنا لحظات تمر كأنها رسائل خفية من السماء، تحمل بين طياتها معاني أكبر من قدرتنا على الفهم، وتجعلنا نقف طويلاً أمام حقيقة واحدة لا يمكن لأحد أن يهرب منها أو يتجاوزها، وهي حقيقة القضاء والقدر. فمهما خطط الإنسان، ومهما رسم لنفسه طريقاً يظن أنه قادر على السير فيه كما يشاء، يبقى تدبير الله عز وجل فوق كل التدابير، وتبقى إرادته وحدها هي النافذة في النهاية.
لقد أيقنت مع مرور السنوات أننا لا نستطيع أن نخطو خطوة واحدة إلا بإذن من الله، وأن كثيراً من الأحداث التي نظنها صدفة ليست إلا خيوطاً دقيقة ينسجها القدر بحكمة لا ندركها إلا بعد حين. وربما كانت تجربتي الأخيرة من أكثر التجارب التي جعلت هذا اليقين يسكن قلبي بصورة لا تقبل الشك.
كانت تربطني بالفنان الراحل هاني شاكر علاقة مختلفة، علاقة يصعب وصفها بالكلمات. لم تكن مجرد علاقة مستمع بفنان، بل كانت حالة من الانبهار والحب والاحترام لفنه الراقي وصوته العذب الذي كان يلامس الروح قبل الأذن. كنت أراه نموذجاً للفنان الحقيقي الذي يحمل قيمة الفن النظيف والكلمة الراقية والإحساس الصادق. ومع كل أغنية كان يقدمها، كنت أشعر أنه يقترب أكثر من مشاعرنا الإنسانية البسيطة، فيصبح جزءاً من ذكرياتنا وأيامنا وأحزاننا وأفراحنا.
ولذلك عندما علمت بخبر وفاته، شعرت وكأن الخبر سقط فوق رأسي كالصاعقة. لم أصدق في البداية، وتمنيت أن يكون مجرد شائعة عابرة كالكثير مما نسمعه يومياً. لكن الحقيقة كانت أقوى من أمانينا. شعرت يومها أنني فقدت فردًا من عائلتي، لا مجرد فنان أحببته. سيطر عليّ حزن شديد، ودخلت في حالة من الانهيار والبكاء لم أستطع مقاومتها.
في تلك اللحظة، طلبت من زوجي الدكتور وجدي زين الدين أن نذهب للصلاة عليه وحضور مراسم الدفن، فقد اعتدت دائماً عندما يتوفى شخص أن أشارك في وداعه الأخير بقراءة سورة ً"يس" عقب الدفن، إيماناً مني بأن الدعاء والقرآن هما أصدق ما يمكن أن نهديه للراحلين. وافق زوجي بكل حب، بل شجعني على ذلك، وكأن الأمر كان قد كُتب بالفعل قبل أن ننطق به.
وعندما علمت أن الجثمان سوف يصل إلى مستشفى الشيخ زايد التخصصي، شعرت بسعادة غريبة وسط الحزن. قلت لنفسي إن القدر ربما أراد أن يمنحني فرصة الوداع الأخيرة، خصوصاً أن المستشفى قريبة من محل سكني، وتصورت أن الأمور أصبحت مهيأة كي أحقق ما تمنيت.
لكن الله سبحانه وتعالى كان يخبئ لي درساً أكبر بكثير من مجرد حضور جنازة أو قراءة سورة "يس". أراد أن يريني كيف تتبدل الأقدار في لحظة، وكيف يغير الله مسار الأيام بأمر واحد فقط. فبينما كنت أستعد نفسياً للذهاب، شاء القدر أن يتعرض زوجي الغالي لحادث مفاجئ. كانت لحظات عصيبة لا يمكن وصفها، وتحول كل اهتمامي وخوفي إلى زوجي الذي تم نقله على الفور إلى مستشفى الشيخ زايد التخصصي نفسها. وهناك قرر الأطباء ضرورة احتجازه لإجراء جراحة عاجلة. في تلك اللحظة أدركت كيف يمكن للحياة أن تقلب موازين الإنسان في ثوان معدودة. بالأمس كنت أذهب للمستشفى من أجل وداع فنان أحببته، واليوم أدخلها وأنا أرتجف خوفاً على حبيبي وشريك عمري.
مكثنا داخل المستشفى أربعة أيام كاملة بين القلق والدعاء والانتظار. وبينما نحن هناك، وصل جثمان الفنان الراحل إلى المستشفى نفسها. يا لها من مفارقة عجيبة! الشخص الذي تمنيت أن أودعه وأقرأ له القرآن أصبح على بُعد خطوات مني، يفصل بيننا ممر قصير فقط، ومع ذلك لم أستطع الوصول إليه أو حضور أي شيء من مراسم الوداع.
وقفت أمام نافذة غرفة زوجي أراقب موكب الجنازة وهو يغادر المستشفى. رأيت المشهد بصمت موجع، واختلطت دموعي على زوجي المصاب بدموعي على رحيل الفنان الذي أحببته بصدق. كان الحزن مضاعفاً، والموقف كله يبدو كأنه مشهد مكتوب بعناية إلهية ليعلمني شيئاً لن أنساه ما حييت.
في تلك اللحظة فقط فهمت المعنى الحقيقي للقضاء والقدر. فهمت أننا مهما تمنينا، ومهما خططنا، فإن ما يريده الله هو الذي يحدث. كنت أظن أن القدر ساعدني كي أقترب من لحظة الوداع، لكنه في الحقيقة كان يقودني إلى درس أعظم: أن الإنسان مسير بأقدار الله، وأن كل خطوة في حياتنا تجري وفق حكمة إلهية لا نملك أمامها إلا الرضا والتسليم.
خرجت من تلك التجربة وأنا أكثر إيمانًا وهدوءًا. أدركت أن بعض الأبواب تُفتح لنا، وبعضها يُغلق، ليس لأننا نستحق أو لا نستحق، بل لأن الله وحده يعلم الخير الكامن خلف كل أمر. وربما كانت أعظم راحة يصل إليها الإنسان هي أن يسلّم قلبه لله، ويوقن أن ما كتبه الله لنا هو دائمًا الطريق الصحيح، حتى وإن بدا مؤلمًا في البداية.
وهكذا علمتني تلك الأيام القاسية أن القضاء والقدر ليسا مجرد كلمات نرددها، بل حقيقة نعيشها في كل تفاصيل حياتنا، وأن الإنسان مهما ظن نفسه قادرًا على التحكم في مصيره، يبقى دائماً تحت رحمة تدبير الله وحكمته التي لا تخطئ أبداً.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق