دعا الإسلام إلى حسن معاملة الآخرين، وذلك في معاملتهم بلطف ومودة، والاستماع إليهم، وتقدير وجهة نظرهم، وشملت دعوتُه في ذلك الرجلَ والمرأةَ، والغنيَّ والفقيرَ، بل الإنسانَ والحيوانَ، ولحسن معاملة الآخر فوائد كثيرة في المجتمع، لعل من أهمها نشر الأخلاق الحميدة بين الناس، كاليسر والصفح والسماحة وطلاقة الوجه، كما أنها أيضًا تزيد من المحبة والألفة بين أفراد المجتمع.
محاور تقسيم حسن معاملة الآخرين
ويمكن تقسيم حسن المعاملة على محاور مختلفة؛ فهناك حسن المعاملة مع الله سبحانه وتعالى، وهو الذي يورث التقوى والورع بين العباد، وهناك حسن المعاملة مع الناس، وهو الذي يكسب المرءَ ثقةَ الآخرين فيه، وثقتَه بنفسه، ويأتي هذا المحور تحت معنى قوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (البخاري). وهناك حسن المعاملة مع المرأة، وهي التي تعبر عن رقي دين الإسلام وعالمية رسالته، وهي التي تأتي تحت قوله ﷺ: «واستوصوا بالنساء خيرًا» (البخاري).
إلا أن من المحاور الرئيسة في حسن المعاملة في عصرنا هذا محورين هما:
حسن معاملة الحيوان، وهي تدل على رحمة الإسلام بجميع المخلوقات، وتجلب الخير والبركة والرشاد للأمة جامعة.
وحسن المعاملة مع العمال والمستخدمين، وهي التي تدفعهم إلى الإخلاص والمحافظة على الأموال وسلامتها، ومن ثم تنشر في المجتمع روحًا من السلام والألفة بين طبقاته المختلفة، فتحافظ على كيانه وتقوي أواصر وحدته.
وردت أمثلة كثيرة في السنة النبوية الشريفة تحث على الرأفة بالحيوان كأحد المحاور المهمة لفضيلة حسن المعاملة؛ فعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وجعل لكم الأرض، فعليها فاقضوا حاجتكم» (أخرجه أبو داود في سننه).
وفيه الأمر بحسن معاملة الحيوان ورحمته، مع ذكر وبيان السبب الذي يحض على هذا، وهو أن الحيوان مسخر بأمر الله، وأنه يساعد الإنسان في قطع المسافات الطويلة لقضاء الحاجات، وأظهر ﷺ لأصحابه بديلًا لإرهاق الحيوان والجلوس على ظهره للتسامر، وهو الأرض.
وعن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن التحريش بين البهائم (أبو داود). والتحريش هو الإغراء والتحريض، والتحريش بين الطيور والحيوانات يُتخذ لعبة في بلدان كثيرة، وفيه إيذاء للحيوان واستخدام له في غير ما خلق له.
وفي هذه اللعبة يقوم العابثون بالحيوان أو الطير بإعطائه عقاقير وكيماويات تجعله يثور ويشرس على مثله؛ كي تزداد متعة المشاهدة، وهو نوع من العدوانية وسوء الخلق، يربي النفس على التوحش والتلذذ بتعذيب الآخرين وآلامهم.
وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «لا تتخذوا شيئًا فيه الروح غرضًا» (مسلم). فالرسول ﷺ حريص على أن يربي أصحابه على احترام الحيوان والرفق به؛ لأن صلاح النفس ومنهجها القويم في المحبة والاحترام للمخلوقات واحد، سواء كان هذا المخلوق جمادًا أو حيوانًا أو إنسانًا، حقيرًا أم شريفًا، فالالتزام بالمنهج واحد، وهو احترام المخلوقات تقديرًا لخالقها الواحد؛ لأن الاستهانة ببعض الخلق، وإن كان حيوانًا، نذير بفساد في النفس يدعوها إلى الاستهانة ببقية المخلوقات وعدم توقير خالقها.


















0 تعليق