سؤالٌ بات يطرح نفسه بإلحاح في السنوات الأخيرة: هل انتهى النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية وترسخ أكثر بعد نهاية الحرب الباردة؟ أم أنه يعيش مجرد تحوّلات عميقة تعيد تشكيل ملامحه؟
منذ صعود قوى جديدة مثل الصين والهند، وعودة التوترات الجيوسياسية بين الغرب وروسيا، وانقسام المواقف حول قضايا المناخ والهجرة ومكافحة الأوبئة، بدا وكأن مركز الثقل العالمي يتحرك بعيدًا عن الغرب التقليدي. كذلك لعبت الأزمات المتعاقبة: من الأزمة المالية العالمية عام ٢٠٠٨، مرورًا بجائحة كورونا، ووصولًا إلى النزاعات العسكرية الكبرى مثل الحرب الروسية الأوكرانية والعدوان الإسرائيلي على غزة وأخيرًا الحرب الأمريكية على إيران دورًا في تقويض الثقة بالنظام القائم، وكشفت عجز مؤسساته عن التصدي الفعال لهذه التحديات.
يتميّز المشهد الدولي الراهن ببروز تحالفات ومنتديات مثل بريكس ومنظمة شنغهاي، التي تعبّر عن رغبة قوى كبرى وإقليمية في أن يكون لها صوت مستقل بعيدًا عن الهيمنة الغربية. غير أنّ هذه الكيانات نفسها تواجه تحديات داخلية، إذ يجمعها أحيانًا الاعتراض على الغرب أكثر مما يجمعها مشروع موحّد وواضح للعالم.
صحيح أنّ نفوذ الولايات المتحدة لم يعد مطلقًا كما كان في تسعينيات القرن الماضي، إلا أنّها تظلّ القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية الأبرز في العالم. وحتى مع صعود قوى كبرى مثل الصين، تبقى واشنطن صاحبة اليد العليا في الكثير من المؤسسات الدولية والملفات الاستراتيجية الحساسة.
ومع ذلك، فإن القول بانتهاء النظام العالمي ربما ينطوي على تبسيط مفرط. إذ ما نشهده اليوم أشبه بعملية إعادة تشكيل أو إعادة ضبط لقواعد اللعبة الدولية، حيث لم يعد نظام القطب الواحد الذي ساد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي مقبولًا أو قابلًا للاستمرار، لكن لم يتبلور بعد نظام بديل واضح المعالم. نحن في مرحلة انتقالية يختلط فيها القديم بالجديد، وتتصارع فيها رؤى متعددة حول العدالة والشرعية وأولويات النظام الدولي.
في المحصلة، لا يمكن الجزم بنهاية النظام العالمي بقدر ما يمكن القول إننا نشهد ولادة نظام عالمي جديد، لم تكتمل وتظهر ملامحه بعد، سيُرسم في السنوات المقبلة وفقًا لتوازنات القوى الجديدة وصراع الرؤى حول طبيعة العالم الذي نريد العيش فيه. يمكن القول إن النظام العالمي الذي عرفناه لم ينتهِ تمامًا، لكنه فقد هيمنته الأحادية وشكله السابق. نحن نعيش الآن لحظة مخاض تاريخي ستتضح نتائجها خلال المرحلة القادمة: إمّا أن تنجح القوى الدولية في صياغة نظام أكثر توازنًا وعدلاً وتعاونًا، أو أن يستمر التشتت والتشظي، ويقود إلى المزيد من الأزمات والصراعات والحروب.
في الختام، تظلّ مسؤولية صناع القرار والمجتمعات الدولية كبيرة في رسم ملامح هذا العالم الجديد، بحيث يكون أقل انقسامًا وأكثر قدرة على مواجهة التحديات المشتركة في المستقبل.


















0 تعليق