الترشيد بين الفريضة والسلوك..
حين تدق عقارب الساعة لتعلن اقتراب «ساعة الصفر» الجديدة، يحلّ صمت هادئ فى شوارع كانت لا تنام، لم يعد المشهد كما كان، أضواء تُطفأ، ومحال تُغلق أبوابها مبكرًا، فى انعكاس مباشر لتحديات اقتصادية عالمية لم يعد أحد بمنأى عنها، وبذلك لم تعد دعوات ترشيد الاستهلاك مجرد تعليمات رسمية عابرة، بل تحولت إلى واقع يومى يعيشه المواطن داخل بيته، ويؤثر على تفاصيل حياته، ومع تصاعد أزمات الطاقة وارتفاع تكاليف المعيشة، يطرح هذا التحول تساؤلًا أعمق: هل الترشيد مجرد التزام مدنى تفرضه الظروف؟ أم أنه التزام دينى يحاسب عليه الإنسان؟
الترشيد فى النصوص الشرعية
إن فكرة الترشيد ليست مستحدثة، بل لها أصل راسخ فى الإسلام، حيث جاء النهى الصريح عن الإسراف فى القرآن والسنة النبوية، حتى فى أبسط الموارد، وهو ما يعكس أن الاعتدال فى الاستهلاك قيمة دينية أصيلة.
وفى هذا السياق أكد الدكتور نظير عياد، مفتى الجمهورية، ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم، أن قضية الحفاظ على البيئة وترشيد الاستهلاك ليست مجرد «خيار اقتصادى» أو ترف فكرى، بل هى عمق عقدى ينطلق من مسئولية الإنسان بوصفه «خليفة الله فى أرضه».
أوضح مفتى الجمهورية أن علاقة المسلم بالكون تقوم على «الأمانة»، مستشهداً بقوله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا}.
وأشار المفتى إلى أن الإسراف فى استخدام الموارد الطبيعية هو خروج صريح عن تعاليم الإسلام، ونوع من كفران النعمة الذى حذرنا الله منه، فالزيادة فى النعم مرهونة بالشكر، والشكر الحقيقى هو 'حسن الإدارة' وليس مجرد القول باللسان».
وفى معرض حديثه عن ندرة الموارد، توقف عند العبقرية النبوية فى ترشيد المياه، لافتاً إلى أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن الإسراف فى الوضوء حتى لو كان الإنسان يقف أمام نهرٍ متدفق، وأكد المفتى أن هذا التوجيه يرسخ لثقافة «الاستهلاك الواعى» التى تمنع الهدر النفسى والمادى، معتبراً أن إضاعة قطرة ماء واحدة دون وجه حق هى ظلم للأجيال القادمة واعتداء على حقوق الآخرين.
فلسفة «لا إفراط ولا تفريط».
ومن جانبه أكد الشيخ محمد كمال ــ أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن الشريعة الغراء لم تأتِ لتقييد الحريات، بل لتقويم السلوك، مشدداً على أن الاعتدال هو القطب الذى تدور حوله رحى الدين. واستحضر أمين الفتوى التحذير الربانى الكامن فى الآية الكريمة: «وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ»، موضحاً أن الإسراف ليس مجرد هدر مادى، بل هو مسلك يبدد الروابط الروحية، حيث يخرج بصاحبه من دائرة «المحبة الإلهية».
وأشار كمال إلى أن القرآن الكريم رفع من شأن أهل التوازن فى قوله تعالى: «والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا»، فى حين وصم الهادرين لنعم الله بصفة قاسية وهى «إخوان الشياطين»، وهذا الوصف يعكس خطورة الإسراف كخصلة تمزق النسيج الأخلاقى للفرد وتجعله أداة للهدم لا للبناء.
وفى لفتة هامة، صحح الشيخ محمد كمال المفهوم الشائع بأن الترشيد هو إجراء استثنائى مرتبط بالأزمات الاقتصادية أو ضيق ذات اليد، وأكد أن الاعتدال هو «الأصل الأصيل» فى حياة المسلم، غنيًا كان أم فقيرًا.
واستشهد بالمنهج النبوى الذى وضعه الرسول صلى الله عليه وسلم فى قوله: «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا فى غير إسراف»، معتبراً أن هذا الحديث يمثل خارطة طريق للتعامل الوعى مع نعم الله، حيث يتحول الاستهلاك إلى عبادة حين يقترن بالشكر والتقدير.
التوازن صفة المؤمن
كما وضح الشيخ محمد محمدى ـــ إمام وخطيب ومدرس بوزارة الأوقاف المصرية، أن الإسلام هو دين الاعتدال الذى يرفض الإفراط والتفريط، ويستشهد بدعاء النبى صلى الله عليه وسلم: «وأسألك القصد فى الفقر والغنى»، ليدلل على أن التوازن هو صفة المؤمن فى كل أحواله.
ويصف محمدى الماء بأنه «أرخص موجود وأعز مفقود»، منتقدًا ما يراه من مظاهر هدر واضحة فى السلوكيات اليومية، وفيما يتعلق بالكهرباء، يحذر محمدى من بعض الممارسات الاستهلاكية الخاطئة، كترك الأجهزة موصولة بالكهرباء دون استخدام، أو إضاءة الأماكن الخالية، مؤكدًا أن مثل هذه التصرفات تندرج تحت مسمى التبذير، الذى ذمّه القرآن الكريم واعتبر أصحابه «إخوان الشياطين».
ويؤكد محمدى أن مفهوم الترشيد لا يعنى حرمان النفس من متع الحياة أو التضييق عليها، بل يقوم على مبدأ الاعتدال، أى استخدام الموارد بقدر الحاجة فقط، التزامًا بالتوجيهات النبوية التى نهت عن إضاعة المال ودعت إلى حسن استثماره.
ويجب الذكر أن المؤسسات الدينية قامت بتحركات داعمة لفكرة الترشيد على إثر إجراءات الدولة للاقتصاد فى الاستهلاك خلال الفترة الأخيرة، فقد أصدر الأزهر الشريف خلال عام 2026 توجيهات داخلية شملت تقليل استهلاك الطاقة داخل مقراته، من خلال خفض الإضاءة غير الضرورية، وتقنين استخدام الأجهزة الكهربائية، وتنظيم الأنشطة غير العاجلة بما يتناسب مع توجهات الدولة فى هذا الملف.
وفى السياق ذاته، أكدت دار الإفتاء المصرية فى عدد من تصريحاتها وفتاواها أن الالتزام بالقرارات المنظمة لاستهلاك الموارد يدخل فى إطار الحفاظ على المصلحة العامة، ويستند إلى قواعد فقهية مستقرة فى الشريعة الإسلامية، من بينها قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، إلى جانب تأصيل مفهوم طاعة ولى الأمر فى كل ما يحقق الصالح العام ولا يخالف النصوص الشرعية.
وترى الدار أن التعامل مع الموارد العامة دون إسراف أو إهدار يمثل سلوكًا منضبطًا شرعًا، خاصة فى أوقات الأزمات، حيث تتسع دائرة المسؤولية الفردية لتشمل البعد المجتمعى.
فى النهاية، نجد أن يجمع العلماء فى هذا التحقيق على أن الترشيد ليس «بروتوكولاً» اختيارياً، بل هو جزء أصيل من منظومة التعبد، فالمحافظة على الكهرباء والماء ليست مجرد توفير للمال، بل هى شكرٌ عملى للمنعم، وحماية لحق الأجيال القادمة فى حياة كريمة، وهو ما يجعل من سلوك الفرد اليومى معياراً لإيمانه وانتمائه الوطنى.


















0 تعليق