شهدت مصر خلال العامين الماضيين موجة تضخمية غير مسبوقة، مدفوعة بتحديات عالمية ومحلية، وصلت ذروتها فى الربع الثالث من عام 2023 حين تجاوز التضخم حاجز 38%. ومع حلول أبريل 2026، تشير البيانات الرسمية وتصريحات الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء إلى نجاح ملحوظ فى كبح جماح هذه الزيادات، حيث استقر التضخم فى مستويات تقترب من 12%، مع استهداف واضح للوصول إلى 8% وربما 7% بنهاية العام المالى الحالى.
أكد الدكتور مدبولى فى عدة مؤتمرات صحفية أن الدولة تضع خفض التضخم كأولوية قصوى تسبق حتى مستهدفات النمو الاقتصادى فى المرحلة الراهنة. وذلك لإدراك القيادة السياسية أن استقرار الأسعار هو المطلب الشعبى الأول والضمانة الأساسية لاستدامة الحماية الاجتماعية.
وتعتمد خطة الحكومة كما أعلنها مدبولى، على تضافر السياسات النقدية والمالية مع إجراءات ضبط السوق الميدانية، وتتمثل فى التنسيق مع البنك المركزى.
وأشار رئيس الوزراء إلى التنسيق الدائم مع محافظ البنك المركزى لضمان مرونة سعر الصرف واستخدام أدوات الفائدة بذكاء. ومع تراجع التضخم، بدأت دورة التيسير النقدى والمتمثل فى خفض الفائدة تدريجيا، مما يقلل تكلفة الإقراض للمصانع، وهو ما ينعكس فى النهاية على خفض تكلفة الإنتاج والأسعار النهائية للمستهلك.
وشدد مدبولى على التزام الحكومة بوضع الدين العام على مسار نزولى، حيث تستهدف الدولة النزول بالدين الخارجى إلى حدود 45% من الناتج المحلى الإجمالى. هذا الانضباط يقلل من حاجة الدولة لطباعة النقود أو الاقتراض الداخلى المكثف، مما يساهم بشكل مباشر فى تقليل الضغوط التضخمية.
وإحدى الركائز الأساسية فى تصريحات رئيس الوزراء هو إتاحة السلع. وتعمل الحكومة من خلال اللجنة العليا لضبط الأسواق على توسيع نطاق المبادرات الحكومية لبيع السلع بأسعار مخفضة. وكذلك التوسع فى إنشاء الصوامع والمخازن الاستراتيجية لضمان توافر السلع الأساسية مثل القمح والزيت والسكر لمدة لا تقل عن 6 أشهر. إضافة إلى تفعيل الرقابة الصارمة على الأسواق لمواجهة الممارسات الاحتكارية.
ويؤمن مدبولى بأن الحل الجذرى للتضخم يكمن فى الإنتاج. ولذلك تم إطلاق حزمة من الحوافز الضريبية والجمركية للصناعات التحويلية والزراعة، بهدف تقليل الاعتماد على الاستيراد المستورد للتضخم واستبداله بمنتجات محلية الصنع.
ورغم التفاؤل الذى تبديه تصريحات الحكومة، إلا أن الوصول إلى مستهدف 8% تضخم فى 2026 يواجه تحديات جسيمة، لخصها مدبولى في
التوترات والصراعات فى المنطقة التى تؤثر بشكل مباشر على سلاسل الإمداد وتكاليف الشحن، خاصة عبر قناة السويس، مما قد يؤدى لارتفاعات مفاجئة فى أسعار الطاقة أو المواد الخام. أما محاولات الحكومة لتقليل عجز الموازنة من خلال ترشيد دعم الطاقة، تخلق ضغطا تضخميا مؤقتا عند كل زيادة، وهو ما تحاول الحكومة موازنته عبر برامج الحماية الاجتماعية مثل «تكافل وكرامة» ومشروع «حياة كريمة».
وفى ختام تصريحاته أكد الدكتور مدبولى أن المؤشرات الكلية للاقتصاد المصرى فى تحسن مستمر، بشهادة المؤسسات الدولية مثل «فيتش» و»صندوق النقد الدولي». ومع ذلك، يظل التحدى الحقيقى هو شعور المواطن بهذا التحسن.
إن الوصول بمعدل التضخم إلى 10% أو أقل بحلول نهاية 2026 يعنى استقرارا حقيقيا فى القوة الشرائية للجنيه، وتوقف القفزات السعرية المفاجئة التى أرهقت كاهل الأسر المصرية. الدولة تراهن الآن على أن العام المالى القادم سيكون عام الحصاد لثمار الإصلاحات الهيكلية القاسية التى تم اتخاذها فى مارس 2024 وما بعدها.
إن معركة خفض التضخم فى مصر ليست مجرد أرقام تعلن فى المؤتمرات، بل هى رؤية شاملة لدولة الإنتاج. وتصريحات مدبولى تضع الحكومة أمام مسؤولية تاريخية لتحويل هذه المستهدفات إلى واقع ملموس، من خلال تعزيز الصناعة الوطنية، وحماية الفئات الأكثر احتياجا، وضمان أن يظل مسار الأسعار فى اتجاه الهبوط.


















0 تعليق