يُعد الشيخ محمد متولي الشعراوي أحد أبرز علماء التفسير في العصر الحديث، حيث قدم خواطر إيمانية استطاع بها جذب العامة والخاصة، وعالج القضايا الفكرية والاجتماعية بأسلوب بسيط وعميق في الوقت ذاته، وترك إرثًا علميًا كبيرًا في مجال تفسير القرآن، والتصدي للشبهات الفكرية، مما جعله أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في الفكر الإسلامي الحديث.
نشأة الشيخ الشعراوي وتعليمه
ولد محمد متولي الشعراوي في ١٦ إبريل سنة ١٩١١م بقرية دقادوس، مركز ميت غمر، بمحافظة الدقهلية، وحفظ القرآن الكريم في قريته، وتلقى التعليم الديني بمعهد الزقازيق، فكلية اللغة العربية بالأزهر، حتى حصل على الشهادة العالمية سنة ١٩٤١م، وبعدها نال إجازة التدريس سنة ١٩٤٣م.
رحلته العلمية والمناصب التي تقلدها
وعين مدرسًا بمعهد طنطا الأزهري ثم معهد الإسكندرية، ثم معهد الزقازيق، وأعير للعمل بالسعودية سنة ١٩٥٠م مدرسًا بجامعة الملك عبد العزيز، وعاد لمصر ليكون وكيلًا لمعهد طنطا سنة ١٩٦٠م، فمديرًا للدعوة الإسلامية بوزارة الأوقاف سنة ١٩٦١م، فمفتشًا للعلوم العربية بالأزهر سنة ١٩٦٢م، فرئيسًا لبعثة الأزهر بالجزائر سنة ١٩٦٦م، فأستاذًا زائرًا بجامعة الملك عبد العزيز سنة ١٩٧٠م، فرئيسًا لقسم الدراسات العليا بها سنة ١٩٧٢م، وعاد إلى مصر، وقد طار صيته العلمي؛ فعين وزيرًا للأوقاف سنة ١٩٨٠م ، فعضوًا بمجمع البحوث الإسلامية سنة ١٩٨٠م، وانتخب عضوًا بمجمع اللغة العربية سنة ١٩٨٨م .
كان الأستاذ محمد متولي الشعراوي ظاهرة علمية فريدة، حيث تألق نجمه فجأة بعد الخمسين، فجذب الأنظار إليه على نحو غير معهود، وتناقل حديثه الخاصة والعامة معًا، إذ استطاع أن يرضى الجانبين بما رزق من وضوح الأسلوب، وقوة الحجاج.
وقد تهافتت الإذاعات المرئية والمسموعة في شتى بقاع العالم العربي على تسجيل دروسه الأسبوعية.
كما تطلعت دور النشر إلى طبع مؤلفاته على أوسع نطاق، وكان اسمه يسبق مقدمه في الرحلات التي قام بها داخل العالم العربي وخارجه، مما لم يقدر لغيره على هذا النحو المنفرد، وذلك لأن الرجل جمع من مواهب الإقناع إلقاء وتعبيرًا، وتفهمًا لنفسيات المستمعين ما جعله مطمع الأنظار، وحين لقى ربه في ٢٢ صفر سنة ١٤١٩هـ - الموافق ١٧ يونيو سنة ١٩٩٨م ودعه الجمهور بما فاق كل تصور في التشييع، ودفن بقرية دقادوس مسقط رأسه.
منهجه في تفسير القرآن الكريم
كانت دروس التفسير هي العماد الأول لنشر أفكاره الدينية، والاجتماعية، والخلقية، وقد صادفت ذيوعًا مستفيضا بما سلكه من منهج في إلقائها، إذ يسوق أفكاره متناسقة متسلسلة، ويجعلها شبيهة بالقضايا المنطقية ذات النتائج الملزمة دون غموض، فإذا اتضحت القضية أيدها بالنص القرآني المحكم، فيكون بعد الاقتناع السابق دليلا ملزمًا لا يقبل النقض، وقد أخذ عليه استطراده في بعض الأحيان، وهو نوع من التشويق يرضى الكثرة التي ترحب بالطرائف النادرة.
وحين جُمع تفسيره في مجلدات متتالية، حذف الاستطرادات، ومضى التفسير على سننه المعهودة.
وقد أوجد الشيخ بهذه الدروس ذات الإقبال الكاسح جامعة علمية شعبية، تنتقل إلى المشاهدين في منازلهم، فتعطيهم الدروس الشافية، وكأنهم يجلسون في معهد علمي.
دوره في معالجة القضايا الفكرية والاجتماعية
كان تفسير الإمام الشعراوي ركنًا قويًّا من أركان الرسوخ الإيماني في قلوب المسلمين.
ومن مزاياه أن الشيخ اتصل بشذور من علوم النفس والتربية والاجتماع، والعلوم الحديثة فاعتملت في نفسه، وساقها في طيات الشرح فاقتنع بها المنصتون.
وكانت قضايا المجتمع الإسلامي شغله الشاغل في درس التفسير، فكل ما تعج به الصحف من قضايا المرأة، والشيوعية، والرأسمالية، والوجودية، كانت مجال تفكير الشيخ، فهو يلتمس المناسبة في الآية الكريمة.
ويشن النقد الجارح على من يحاولون تجاهل النص القرآني، موضحًا أنهم بسلوكهم المخطئ، ليسوا مع المنطق في شيء.
وقد خاصم الشيخ رؤوس التفكير المارق علنًا، فاضطروا إلى السكوت عما يأفكون، بعد أن دعاهم للمناظرة علنًا أمام الجمهور فعلموا أن الموقف موقف الفصل وما هو بالهزل، فتراجعوا صامتين.
أسلوبه في الرد على الشبهات والتحديات الفكرية
وقد رزقه الله من حسن الاستنباط، وعمق التحليل ما قمع كل ضلال، وضرب المثل لذلك بما تحداه به أحدهم حين سأله بقوله: إن الله يقول عن نفسه {وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ} [لقمان: ٣٤].


















0 تعليق