يعد الإمام ابن حجر العسقلاني، من كبار أئمة الحديث في الإسلام، وُلد يتيمًا بمصر، وأكمل حفظ القرآن في سنٍّ مبكرة، رحل في طلب العلم إلى الحجاز والشام واليمن، ولازم كبار العلماء كالعراقي والبلقيني، وبرع في الحديث وعلومه، وتولى القضاء والتدريس والخطابة في عدة أماكن.
نسب ومولد ونشأة الإمام ابن حجر العسقلاني
هو الإمام أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد، العسقلاني الأصل، المصري المولد والمنشأ، نزيل القاهرة.
ولد بمصر في شعبان سنة ٧٧٣هـ الموافق ١٣٧٢م، وتوفي سنة ٨٥٢هـ، ١٤٤٩م، ومات أبوه في رجب سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وماتت أمه قبل ذلك وهو طفل؛ فنشأ يتيمًا، ولم يدخل الكُتَّاب حتى أكمل خمس سنين، فأكمل حفظ القرآن وله تسع سنين، ثم لم يتهيأ له أن يصلي بالناس التراويح إلا في سنة خمس وثمانين وسبعمائة، وقد أكمل اثنتي عشرة سنة، وكان وصيَّه الرئيس الشهير أبو بكر نور الدين علي الخروبي، كبير التجار بمصر، قد جاوره في تلك السنة واستصحبه معه؛ إذ لم يكن له من يكفُله.
وسمع في تلك السنة صحيح البخاري وحفظ بعد ذلك كتبًا من مختصرات العلوم، ولازم أحد أوصيائه أيضًا، وهو الشيخ شمس الدين محمد بن علي بن محمد بن عيسى بن أبي بكر بن القطان المصري، فحضر دروسه.
ثم حُبِّب إليه النظر في التواريخ، وهو بعد في المكتب، فعلق بذهنه شيء كثير من أحوال الرواة.
وفي غضون ذلك سمع من نجم الدين بن رزين، وصلاح الدين الزفتاوى، وزين الدين بن الشحنة، ونظر في فنون الأدب من سنة اثنتين وتسعين، فقال الشعر، ونظم مدائح نبوية ومقاطيع.
ثم اجتمع بحافظ العصر زين الدين العراقي، وذلك في شهر رمضان سنة ست وتسعين، فلازمه عشرة أعوام، وحُبِّب إليه فنُّ الحديث، فما انسلخت تلك السنة حتى خرَّج لشيخه مُسْندِ القاهرة أبي إسحق التنوخي، المائة العشارية، وكان أول من قرأها في جمع حافل الحافظ أبو زرعة ابن الحافظ العراقي.
رحلات الإمام ابن حجر العسقلاني العلمية
ثم رحل إلى الإسكندرية فسمع من مسنديها إذ ذاك؛ ثم حج ودخل اليمن، فسمع بمكة، والمدينة، وينبع، وزبَيد، وتعِز، وعدن، وغيرها من البلاد والقرى. ولقي باليمن إمام اللغة غير منازع مجد الدين ابن الشيرازي؛ فتناول منه بعض تصنيفه المشهور المسمى (القاموس في اللغة)، ولقي جمعًا من فضلاء تلك البلاد، ثم رجع إلى القاهرة، ثم رحل إلى الشام، وغزة، والرملة، والقدس، ودمشق، والصالحية، وغيرها من القرى والبلاد.
وكانت إقامته بدمشق مائة يوم، ومسموعه في تلك المدة نحو ألف جزء حديثية: منها من الكتب الكبار المعجم الأوسط للطبراني، ومعرفة الصحابة لأبي عبد الله بن منده، وأكثر مسند أبي يعلى، وغير ذلك. ثم رجع وأكمل كتابه (تغليق التعليق) في حياة كبار مشايخه، فكتبوا عليه، ولازم الشيخ سراج الدين البلقيني إلى أن أذن له، وأذن له بعد إذنه شيخه الحافظ زين الدين العراقي.
تولى الإمام ابن حجر العسقلاني الخطابة في عدة مساجد من أكبر المساجد بالقاهرة؛ مثل الجامع الأزهر، وجامع عمرو، وغيرهما، فقد كان متبحرًا في العديد من العلوم، وكان يفد إليه طلاب العلم وأهل الفضل من سائر الأنحاء، وكان يتسم بالحلم والتواضع والصبر، كثير الصيام والقيام.
وكان مرجعًا في الحديث النبوي، حتى لقب بلقب (أمير المؤمنين) في الحديث، وهذا اللقب لا يظفر به إلا أكبر المحدثين الأفذاذ، وقد حُبِّبَ إلى ابن حجر الحديث، وأقبل عليه بكليته، وطلبه من سنة ثلاث وتسعين، ولكنه لم يلزم الطلب إلا من سنة ست وتسعين، فعكف علي الزين العراقي وتخرج به، وانتفع بملازمته، وتحوّل إلى القاهرة فسكنها قبيل القرن، وارتحل إلى البلاد الشامية والمصرية والحجازية، وأخذ عن الشيوخ والأقران، وأذن له جل هؤلاء في الإفتاء والتدريس.
وتصدَّر لنشر الحديث، وقصر نفسه عليه مطالعة وقراءة وإقراء وتصنيفًا وإفتاءً، وزادت تصانيفه، التي معظمها في فنون الحديث، وفيها من فنون الأدب والفقه، على مائة وخمسين تصنيفًا.
وقد عرف ابن حجر بالحفظ وكثرة الاطلاع والسماع، وبرع في الحديث، وتقدم في جميع فنونه، وأثنى عليه شيوخه في هذا الشأن، وقد سبق أنه ولي تدريس الفقه بالمدرسة الشيخونية، وتدريس الحديث بالمدرسة الجمالية الجديدة، ثم تدريس الشافعية بالمؤيدية الجديدة، ومشيخة البيبرسية في دولة المؤيد، وتدريس الفقه بالمدرسة الصلاحية المجاورة للإمام الشافعي، كما تولى الخطابة بالجامع الأزهر، وجمع بين التدريس والإفتاء وولي منصب القضاء، وكانت أول ولايته القضاء في السابع والعشرين من المحرم، سنة سبع وعشرين وثمانمائة، بعد أن امتنع أولًا، لأنه كان لا يؤثر على الاشتغال بالتأليف والتصنيف شيئًا، غير أن ابن حجر، كما يقول السخاوي، قد ندم على قبوله وظيفة القضاء، ويقول ابن حجر: إن من آفة التلبس بالقضاء أن بعضهم ارتحل إلى لقائي، وأنه بلغه تلبسي بوظيفة القضاء فرجع، وكان آخر ولايته القضاء إذ عزل نفسه في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وثمان مئة.
وفاته رضي الله عنه
وتوفي الإمام ابن حجر العسقلاني في ليلة السبت الثامن والعشرين من ذي الحجة، سنة اثنتين وخمسين وثمان مئة، الموافق سنة تسع وأربعين وأربع مئة وألف من الميلاد، وصلى عليه العلَم البلقيني بإذن من السلطان، وحضر السلطان الصلاة عليه، ونقل نعشه إلى القرافة الصغرى، فدفن بالقرب من الإمام الليث بن سعد.

















0 تعليق