ضباب السلام أم اقتراب العاصفة؟

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

أوراق جديدة بيد «طهران» لمحادثات «إسلام آباد»

البنتاجون يحتجز ناقلة نفط خاضعة للعقوبات وترامب يتهم إيران بضرب الاتفاق

 

يكتنف الغموض مصير استئناف المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران فى باكستان مع اقتراب انتهاء وقف إطلاق النار مساء اليوم بتوقيت واشنطن وسط مؤشرات متناقضة حول إمكانية انعقاد جولة جديدة من المفاوضات. ففى الوقت الذى يستعد فيه وفد أمريكى برئاسة جيه دى فانس للتوجه إلى إسلام آباد تؤكد طهران أنها لا تنوى الدخول فى مفاوضات تحت الإكراه معتبرة أن الضغوط العسكرية والاقتصادية تحاول فرض شروط مسبقة عليها.

فيما أعلن البنتاجون فى منشور على موقع X عن أن القوات الأمريكية صعدت على متن ناقلة نفط خاضعة للعقوبات دون وقوع أى حادث فى منطقة المحيطين الهندى والهادئ، وذلك فى إطار جهودها لتعطيل السفن التى تقدم الدعم لإيران.

فى المقابل شدد رئيس البرلمان الإيرانى محمد باقر قاليباف على أن بلاده مستعدة للعب أوراق جديدة فى ساحة المعركة إذا ما انهارت الهدنة وعادت المواجهات، مؤكدًا أن طهران لن تقبل بأى مسار تفاوضى يتحول إلى طاولة استسلام تحت ضغط التهديدات أو الحصار، فيما جدد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب موقفه الحازم بأن الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية لن يرفع إلا بعد التوصل إلى اتفاق شامل.

وتشير تقديرات إلى أن هذه الأوراق قد تشمل تحريك حلفاء طهران فى المنطقة، وعلى رأسهم الحوثيون فى اليمن مع احتمال فتح جبهة جديدة عبر استهداف السفن فى مضيق باب المندب، وهو أحد أهم الممرات الحيوية لنقل النفط عالميًا وهى خطوة من شأنها أن تضيف شريانًا ملاحيًا آخر إلى قائمة الممرات المتأثرة بالصراع بعد مضيق هرمز.

فيما بدا ترامب واثقًا من عودة إيران إلى طاولة المفاوضات، حيث قال خلال مقابلة هاتفية مع برنامج إذاعى إن طهران ستتفاوض محذرًا فى الوقت نفسه من عواقب وخيمة إذا لم تفعل ذلك، وقبل إنهاء حديثه دافع عن الخيار العسكرى. قائلًا إنه لم يكن هناك بديل آخر أمام واشنطن للتعامل مع إيران مضيفًا أن العملية كانت ضرورية وأن الولايات المتحدة قامت بعمل رائع وستنهى الأمر بطريقة تجعل الجميع راضين متهمًا إيران بخرق اتفاق وقف إطلاق النار عدة مرات.

فى ملف آخر أقر ترامب بأن تحديد موقع مخزون اليورانيوم الإيرانى سيكون عملية طويلة وصعبة فى ظل غياب معلومات دقيقة حول أماكن تخزينه ومستوى تخصيبه بعد الضربات الأمريكية التى استهدفت المواقع النووية الإيرانية وهو ما يعكس استمرار حالة الضبابية حول القدرات النووية لطهران.

على الصعيد البحرى كشفت شركة لويدز ليست إنتليجنس عن أن ما لا يقل عن 26 سفينة من الأسطول الإيرانى الشبح تمكنت من تجاوز الحصار الأمريكى منذ فرضه الأسبوع الماضى فى مؤشر على محدودية فعالية الإجراءات البحرية الأمريكية رغم تشديد الرقابة فى بحر العرب حيث واصلت القوات الأمريكية تنفيذ دوريات مكثفة وصعدت قوات المارينز إلى متن السفينة الإيرانية توسكا وصادرتها بعد محاولة كسر الحصار.

وبحسب مصادر نقلها موقع أكسيوس فإن الحرس الثورى الإيرانى يدفع باتجاه موقف أكثر تشددا، ويرى ضرورة عدم الانخراط فى أى مفاوضات قبل رفع الحصار البحرى عن مضيق هرمز إلا أن تقارير أخرى تشير إلى أن المرشد الأعلى وافق على مبدأ إجراء جولة ثانية من المحادثات ما يعكس انقسامًا داخل مراكز القرار الإيرانية بين تيار يميل للتصعيد وآخر يفضل التفاوض.

تحليل التطورات يشير إلى احتمال فتح الحوثيين جبهة جديدة فى البحر الأحمر، إذ سبق للجماعة أن استخدمت هذا الممر الحيوى كسلاح اقتصادى بين عامى 2023 و2025 عبر استهداف سفن الشحن بالصواريخ والطائرات المسيرة ما أدى إلى اضطراب كبير فى حركة التجارة العالمية وإجبار العديد من السفن على تغيير مساراتها نحو طرق أطول وأكثر كلفة حول إفريقيا.

ورغم التصريحات الحوثية التى تؤكد الجاهزية فإنهم لم يتحركوا حتى الآن ويرى محللون أن الجماعة تتمتع بقدر من الاستقلالية ولا تعمل كوكيل مباشر لإيران بشكل كامل بل تحسب خطواتها بعناية لتجنب تصعيد قد يهدد مصالحها الداخلية فى اليمن وهو ما يعكس تعقيد شبكة التحالفات فى هذا الصراع.

اقتصاديًا بدأت تداعيات الأزمة تظهر بوضوح حيث أعلن وزير المالية الفرنسى رولان ليسكور أن تكلفة الأزمة الإيرانية على فرنسا تراوحت بين 4 و6 مليارات يورو، مشيرا إلى ارتفاع حاد فى عوائد السندات منذ بداية التصعيد ما أدى إلى زيادة تكاليف الاقتراض الحكومى بنحو 3.6 مليار يورو إضافية وهو ما دفع الحكومة الفرنسية للتفكير فى تجميد بعض بنود الإنفاق دون اللجوء إلى تخفيضات مباشرة فى الميزانية.

من الناحية الاستراتيجية حذر خبراء من صعوبة تحقيق الولايات المتحدة أهدافها فى هذا الصراع، حيث أكد مالكولم ديفيس من المعهد الأسترالى للسياسة الاستراتيجية أنه لا يوجد طريق سهل نحو النجاح، مشيرا إلى أن الفجوة بين مطالب واشنطن وطهران لا تزال واسعة للغاية ما يجعل التوصل إلى اتفاق شامل أمرًا غير مرجح فى الجولة المقبلة من المفاوضات.

وأوضح أن الخيارات الأمريكية تظل محصورة بين مواصلة الحصار البحرى أو العودة إلى التصعيد العسكرى محذرا من أن القصف وحده قد لا يحقق الأهداف الاستراتيجية المرجوة بل قد يؤدى إلى خروج الوضع عن السيطرة دون تحقيق نتائج حقيقية، كما أشار إلى أن أى انسحاب أمريكى دون تحقيق أهداف واضحة سيعزز صورة ضعف واشنطن أمام خصومها مثل الصين وروسيا.

فى ظل هذه المعطيات يبدو المشهد عالقًا بين خيارين أحلاهما مر إما القبول بصفقة صعبة تحت الضغط أو الانزلاق مجددا نحو مواجهة عسكرية مفتوحة وهو ما دفع صحيفة فاينانشال تايمز إلى وصف الحالة الراهنة بأنها ليست فقط ضباب حرب بل ضباب سلام حيث يوجد وقف إطلاق نار شكلى لكن دون وضوح بشأن مسار.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق