نحن على حافة الهاوية النووية
مفاعل بوشهر الهدف الأول لإسرائيل
إيران كان بإمكانها إنتاج قنبلة نووية
المشروع النووي الإيراني لم ولن ينتهي
إغلاق باب المندب سيُشعل حربًا إقليمية
مفاعل ديمونة "أكذوبة" ويمثل خطرًا كبيرًا
روسيا أكبر المستفيدين من إغلاق مضيق هرمز
مصر في مأمن من أي ضربة على مفاعل ديمونة
إسرائيل لن تخرج من إيران إلا بعد كارثة بيئية
أي تسرب إشعاعي في إيران سيُحدث كوارث تفوق الخيال بالخليح
الإشعاع لا يحترم الحدود ويحتاج 30 عاماً حتى يفقد خطورته
المشروع النووي الباكستاني كان الملهم الحقيقي لإيران
إيران ستعمل بسرية على تسريع صناعة القنبلة النووية
تهديد ترامب بـتدمير حضارة كاملة ورقة ضغط ولن يستطيع تنفيذه
الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل لن تنتهي قبل 10 سنوات
حوار: أسماء عزالدين
تهديدات متبادلة وهجوم هنا وهناك وضربات استباقية ورشقات صاروخية تغطي السماء ومخاوف من استخدام لأسلحة نووية ومخاطر اقتصادية وصحية وبيئية وشيكة.. باتت هذه المصطلحات مألوفة على مسامعنا في الآونة الأخيرة وتزداد وتيرة الأحداث عامًا بعد الآخر، حيث أصبحت لغة الحرب هي السائدة في العالم في السنوات الماضية.
فلا تنتهي حرب حتى نجد أن هناك حربًا جديدة قد بدأت، وأخرها تلك التي بدأت بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران، واندلعت في 26 فبراير الماضي، ولأن العالم أصبح بالفعل قرية صغيرة فحدوث مشكلة في دولة ما نجد تأثيراته المباشرة وغير المباشرة على غالبية الدول، وتختلف التأثيرات ما بين كونها تأثيرات سياسية أو اقتصادية وكذلك بيئية أو حتى صحية.
وفي ظل التوترات المتسارعة والحرب الدائرة في المنطقة التي تثير القلق، هناك تساؤلات عديدة حول الأسباب الحقيقية وراء اندلاع الصراع، وإمكانية حدوث تسرب الإشعاعي ومدى وخطورته، وتأثير ذلك على مصر والدول المجاورة، وماذا يعني تخصيب اليورانيوم من الأساس واستخداماته، وهل تمتلك إسرائيل بالفعل سلاح نووي؟ وما الذي يمكن أن ينهي هذه الحرب الحالية، ومتي تنتهي؟
الدكتور طارق عبد العزيز، الخبير المتخصص في الصراعات النووية، يجيب في هذا الحوار الخاص لجريدة الوفد، على كل هذه التساؤلات وغيرها بكل وضوح..
وإلى نص الحوار..
بداية.. هل يمكن اعتبار هذه الحرب بأنها حربًا نووية؟
لا يمكن أن نطلق على هذا الصراع بأنه "حرب نووية"؛ فالحرب النووية لها مقومات واضحة مثل إذا تم استخدام أسلحة نووية فعليًا فهي حرب نووية. أما هنا، فالهدف الرئيسي هو منع إيران من امتلاك أسلحة نووية، ويتم استخدام أسلحة تقليدية بعيدة كل البعد عن النووي، لذا فهي حرب تقليدية، وإن كان هدفها منع الطرف الآخر من الوصول إلى السلاح النووي.
وأيضًا لو كانت هناك دولة تحاول تحقيق توازن نووي مع أخرى باستخدام أسلحة نووية من الجانبين، لكان الحديث مختلفًا، أما في ظل الغموض الإسرائيلي، وفي ظل عدم امتلاك إيران أسلحة نووية حاليًا، فهي حرب عادية وليست نووية، كما أنهٍ لم يحدث قصف مباشر على مفاعل بوشهر الإيراني أو مفاعل ديمونة الإسرائيلي، ولم يسجل أي تسرب إشعاعي. إذًا فهي حرب تقليدية بكل المقاييس.
ما الخطر الحقيقي من هذه الحرب في الفترة المقبلة؟
يكمن الخطر الحقيقي في إمكانية إغلاق مضيق باب المندب، ففي ظل هذا التوتر الشديد، من المحتمل أن تعطي إيران تعليمات للحوثيين في اليمن بإغلاق المضيق، وهنا ستتحول الأزمة إلى حرب إقليمية بأبعاد خطيرة للغاية.
سيؤدي ذلك إلى توقف عجلة الملاحة في المضائق الحيوية بالشرق الأوسط، مما يُشكّل كارثة اقتصادية على كل دول العالم وليس اليمن وحدها.
هل كان تهديد ترامب "بإنهاء حضارة كاملة" جديًا؟
الكلام أثار جدلًا كبيرًا، وهو يحمل في طياته إحساسًا بالقوة المطلقة، والحضارة الفارسية متمثلة في إيران لها تاريخ عريق وعقيدتها "الموت أو البقاء"، وحديث ترامب كان تصعيدًا خطيرًا، لكنها استخدمه كورقة ضغط لإنجاح المفاوضات.
وأؤكد أنه لن يستطيع تنفيذه، لأن ذلك سيُقلب عليه العالم بأسره. أما إسرائيل، التي تعتبر إيران عدوها الرئيسي، فهي الأقدر على فعل ذلك، لأنها لا تريد أن تمتلك أي دولة في الشرق الأوسط سلاحًا نوويًا.
في ظل التوترات الراهنة والحرب الدائرة في المنطقة.. هل مصر آمنة؟
القيادة المصرية حريصة كل الحرص على أمن الشعب المصري وسلامته، وقد حماها الله سبحانه وتعالى، ومصر في مأمن تام من أي ضربة محتملة على مفاعل ديمونة الإسرائيلي. فاتجاه الرياح طوال العام بنسبة تصل إلى 90% يكون من الغرب إلى الشرق (من مصر باتجاه إسرائيل)، وكذلك تنحدر المياه الجوفية من مصر نحو إسرائيل.
أما التأثيرات الناتجة عن قصف مفاعل ديمونة أو خزانات الوقود المستهلك المجاورة له، فستطال الأردن والضفة الغربية وإسرائيل نفسها، بينما تبقى مصر آمنة إلى أبعد الحدود.
في رأيك.. لماذا اندلعت الحرب من الأساس؟
الحرب بدأت نتيجة قلق استراتيجي عميق لدى الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من احتمال استحواذ إيران على أسلحة نووية. وهذا يُعد الأمر خطراً وجودياً في نظرهما، نظراً لوجود إيران في قلب الشرق الأوسط وامتلاكها أذرعًا واسعة النفوذ في عدة دول عربية، ووجود أسلحة نووية بيد طهران كان سيمنحها ردعاً نووياً يحميها من أي اعتداء محتمل.
وقامت الحرب على ثلاثة محاور رئيسية: الأول هو إبعاد إيران تماماً عن الأسلحة النووية، وتقليص برنامج التخصيب النووي إلى "صفر نووي"، كما أكدت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، والثاني لقطع أذرع إيران في المنطقة العربية والشرق الأوسط، سواء في سوريا أو لبنان أو العراق أو اليمن عبر الحوثيين.
أما الثالث فهو لتقليص البرنامج الصاروخي الباليستي الإيراني، الذي يُقدر بأنه يتجاوز حالياً 3000 صاروخ باليستي بعشرات المرات، بعدما أثبتت إيران في هجماتها يوم 13 يونيو 2025 و28 فبراير 2026 قدرتها على الوصول إلى قلب إسرائيل وتل أبيب وشمالها.
هل كان المشروع الباكستاني ملهمًا لإيران في امتلاك أسلحة نووية؟
نعم، فعلًا، فأبو القنبلة النووية الباكستانية، الدكتور عبد القادر خان، هو من علم العلماء الإيرانيين كيفية تخصيب اليورانيوم، كانت هذه البداية الحقيقية، ومن خلالها وصلت إيران إلى نسبة تخصيب 90%. وهذا ما دفع الولايات المتحدة إلى الإعلان بأن إيران على أعتاب تصنيع أسلحة نووية.
وباكستان كانت دائمًا في خلاف مع الهند، إلى أن أفصحت عن قدراتها النووية الأعلى، حيث أصبح عدد قنابلها النووية أكبر، وأصبح المشروع الباكستاني ملهمًا لإيران ولعدة دول إسلامية أخرى.
وماذا يعني تخصيب اليورانيوم ودوره في صنع القنبلة النووية؟
اليورانيوم موجود في الطبيعة وله نوعان رئيسيان من العناصر: اليورانيوم238 بنسبة 99.3%، واليورانيوم235 بنسبة 0.7%، والتخصيب يعني رفع نسبة اليورانيوم 235 في المادة من خلال وضعها في أجهزة طرد مركزي، حيث يتم تحويل اليورانيوم إلى "كعكة صفراء"، ثم تحويله إلى غاز يخضع لعملية تسارع في أجهزة الطرد المركزي للوصول إلى درجة نقاوة أعلى.
والنسبة المسموح بها دوليًا للاستخدامات السلمية في المفاعلات النووية (مثل مفاعل بوشهر) تتراوح بين 3.67% و5%، وفق اتفاقية خطة العمل المشتركة (JCPOA) لعام 2015، وإيران تجاوزت هذه الحدود لاحقًا، ورفعت النسبة إلى 20%. والمرحلة من 5% إلى 20% تعتبر الأخطر والأطول زمنيًا.
أما مراحل التخصيب فهي كالتالي: من 5% إلى 20%: يستغرق حوالي 6 أشهر، ومن 20% إلى 60%: يستغرق شهرين تقريبًا، ومن 60% إلى 90% (النسبة العسكرية): يستغرق أسبوعين فقط، وكانت إيران على عتبة الوصول إلى 90%.
أما تصنيع قنبلة نووية بعد الوصول إلى 90% فيحتاج من 6 أشهر إلى سنة كاملة، ولو استغلت إيران فترة الحربين (من 13 يونيو 2025 إلى 28 فبراير 2026) لكان بإمكانها إنتاج قنبلة نووية تُشكّل ردعًا قويًا ضد أي هجوم، ولكن اغتيال العالم محسن فخري زاده، أبو المشروع العسكري النووي الإيراني، في 2020، إلى جانب مجموعة من العلماء الآخرين، كان ضربة موجعة للبرنامج.
هل ينتهي المشروع النووي الإيراني بضرب منشآتها النووية؟
المشروع النووي الإيراني لم ولن ينتهي، وإيران لديها جيل من العلماء المتوارثين لهذه التكنولوجيا، والمعرفة النووية والتكنولوجية مترسخة في جامعاتها ومراكزها البحثية، وموجودة في أماكن لم يُعلن عنها حتى الآن. وهذا ما أكدته الوكالة الدولية للطاقة الذرية عندما علقت الاتفاق مع إيران وقالت إن أحدًا لن يزورها.
ربما تكون بعض المعامل المركزية والأماكن الخاصة باليورانيوم ومستشفيات تحتوي مواد مشعة قد تعرضت لضربات، مما يعني تلوثًا إشعاعيًا فعليًا، ولكن من يحدد ذلك حاليًا؟ الإجابة هي الأمراض والسرطانات التي ستشهدها إيران في الفترة القادمة، كما أن عدم تفعيل أنظمة رصد الإشعاع في المياه والجو والتربة يجعلنا نخشى كارثة إشعاعية تستمر لعشر سنوات بعد هدوء الأمور.
هل يحدث تسرب إشعاعي عند ضرب المنشآت النووية؟
يحدث التسرب الإشعاعي فقط في حال تعرض المنشآت النووية لقصف مباشر، وعلى سبيل المثال فمفاعل بوشهر الإيراني، وهو المفاعل الوحيد العامل في إيران بقدرة ألف ميجاواط، ويُستخدم لإنتاج الطاقة الكهربائية، ويحتوي على وقود نووي من اليورانيوم بنسبة تخصيب تتراوح بين 3.67% و7%، وهي النسبة المسموح بها دولياً للاستخدامات السلمية للطاقة الذرية.
ولو تعرض المفاعل أو خزانات الوقود المستهلك للقصف، فسيحدث تطاير وتسرب إشعاعي يحمل أخطر المواد المشعة: اليود 131، والسيزيوم 137، والسترونتيوم90، وهذه المواد تحتاج إلى نحو ثلاثين عاماً حتى تتحول إلى عناصر غير مشعة.
والإشعاع لا يحترم الحدود فيدخل بلا إذن ويقتل، والأكثر تضررًا من ذلك هو الخليح، لأن الخليج العربي بحر مغلق، وحركة مياهه محدودة جداً، وتعتمد الدول هناك بنسبة 100% على تحلية مياهه بتكنولوجيا التناضح العكسي، لذا فأي تسرب إشعاعي سيُحدث كوارث بيئية وصحية تفوق الخيال مثل تشوه الأجنة في بطون أمهاتهم، وارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان، وبالإضافة إلى تأثير مدمر على الثروة السمكية وكذلك الزراعة والاقتصاد.
هل هناك خطط طوارئ إشعاعية لمواجهة هذا السيناريو؟
نعم، يجب أن تكون خطط الطوارئ الإشعاعية مرتبطة مباشرة بخطط الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي خطط فاعلة جداً إذا تم تفعيلها في الوقت المناسب، فيجب فور حدوث تسرب إشعاعي، أن تبدأ الجهات المعنية بإخطار الشعب خلال ساعة واحدة. بعد ذلك يتم الإخلاء الفوري في اتجاه الرياح لمسافة 10 كيلومترات، وتستغرق هذه المرحلة من ساعة إلى 4 ساعات.
وبعد 4 ساعات يتم توسيع منطقة الإخلاء إلى 100 كيلومتر، مع توفير الإسعافات وأماكن الإيواء، ومن 8 إلى 16 ساعة يُغلق كل المنافذ الجوية والبحرية والبرية، ومن 16 إلى 24 ساعة تُجهز مراكز الإيواء والأغذية والأدوية اللازمة.
وبعد مرور 24 ساعة تبدأ عمليات الرصد والتحليل الدقيق لتحديد مدى خطورة الإشعاع وما إذا كان ضمن الحدود المسموح بها أم يتجاوزها.
هل ضرب مفاعل بوشهر الإيراني أمر وارد؟
كل الدلائل تشير إلى ذلك، فإسرائيل لن تنسحب من إيران إلا بعد أن تترك فيها كارثة بيئية تفوق الوصف. وفي رأيي، لن تخرج إسرائيل إلا بعد أن تقصف مفاعل بوشهر النووي، لأن هدفها الرئيسي منع إيران من الحصول على سلاح نووي، وبالتالي ضرب البنية الأساسية للطاقة في إيران.
وقد حدث بالفعل أربع ضربات قريبة جداً من مفاعل بوشهر (يوم 28 فبراير، و17 و18 مارس، و4 أبريل الماضيين)، وكانت على بعد 300 متر فقط، وكان من الممكن أن تؤدي إلى كارثة بيئية وطبيعية هائلة.
في هذه الحالة.. هل ترد طهران بقصف مباشر على مفاعل ديمونة ؟
إسرائيل تعتقد أن استهداف المنشآت النووية الإيرانية يمثل ردعاً قوياً، لكن إيران لن تقف مكتوفة الأيدي، وستضرب أيضاً جوار مفاعل ديمونة، وستحاول قصف المفاعل نفسه، وقد حدث ذلك بالفعل ثلاث مرات.
ونحذر، كما تحذر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، من أن نشوب أي حرب يتطلب الابتعاد كل البعد عن المنشآت النووية، لأن استهدافها أو حدوث تسرب إشعاعي منها يمثل نهاية ليس لها رجوع أو حلول، فعندما يُقصف مكان نووي أو يحدث تسرب إشعاعي، فإن العالم كله يصبح في خطر حقيقي.
وما هي كمية المخزون الإيراني من اليورانيوم؟
يبلغ مجمل اليورانيوم الموجود في إيران 9874 كيلوجرامًا، موزعًا بين المفاعلات النووية السلمية مثل بوشهر، وبين الاستخدامات الطبية، أما الجزء الذي تم تخصيبه للاستخدام العسكري خلال حرب الـ12 يومًا العام الماضي، فقد كان 408 كيلوجرامات، والآن أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنه وصل إلى 450 كيلوجرامًا، بينما تشير بعض التسريبات إلى 480 كيلوجرامًا.
فبالرغم من قتل العلماء والاستهدافات المتكررة لمنشآت نطنز وفوردو وأصفهان، إلا أن البرنامج النووي ما زال يعمل ومستمرًا ولم يتوقف حتى هذه اللحظة، البرنامج متأصل في عقيدتهم، رغم أن المرشد الأعلى علي خامنئي أكد مرارًا أن إيران لا تستخدم الأسلحة النووية وتبقى بعيدة كل البعد عنها، في حين كانوا يجهزون لصناعتها.
أما أصفهان ونطنز وفوردو فهي مواقع تخصيب يورانيوم؛ وقصفها قد يؤدي إلى تلوث كيميائي في المنطقة المجاورة، وليس تلوثًا إشعاعيًا إلا في حال ضرب مفاعل بوشهر.
بعد الضربات التي تعرضت لها.. أين ذهب اليورانيوم الإيراني المخصب؟
سجلت الاستخبارات الإيرانية نجاحًا وتفوقًا واضحًا على الاستخبارات الأمريكية في هذا الملف، ففي الوقت الذي كانت فيه قنبلة "جي بي يو57 إيه" الخارقة للتحصينات (التي تخترق حتى 90 مترًا داخل الجبال) تضرب منشأة فوردو، كانت 17 شاحنة قد نقلت اليورانيوم المخصب قبلها بساعات إلى أماكن غير معلنة، لا يعرفها إلا الإيرانيون أنفسهم.
وقد رصدت الأقمار الصناعية تحرك هذه الشاحنات، ثم اختفت آثارها فجأة على الأرض، وخلال حرب الـ12 يومًا العام الماضي، كانت إيران قد خصبت أكثر من 408 كيلوجرامات من اليورانيوم بنسبة 60%.
ويستغرق الانتقال من 60% إلى 90% نحو أسبوعين فقط، أما عملية تصنيع قنبلة نووية بعد الوصول إلى 90% فتحتاج من 6 أشهر إلى سنة كاملة، لذلك لا يمكن القول إن إيران وصلت إلى 90% وانتهى الأمر، لكنها كانت في طريقها الجاد إلى تصنيع أسلحة نووية لو استغلت فترة الحرب الأولى (من 13 يونيو 2025 إلى 28 فبراير 2026)، وهي فترة 7 أشهر كانت كافية للوصول إلى مرحلة متقدمة.
وقد تداركت الإدارة الأمريكية ذلك عبر الموساد، الذي رصد كل الإمكانيات. وحين ضُربت فوردو، كان الأمريكيون يعتقدون أنهم دمروا اليورانيوم المخصب، بينما كانت إيران قد سربته إلى أماكن أخرى، ربما في أعماق جبال أصفهان أو امتداد جبال زاغروس.
وحتى الحرب الثانية في فبراير الماضي، وصلت الكمية إلى 450 كيلو جرامًا، وهو ما يعني أن إيران مستمرة في التخصيب ولن تتوقف، حتى بعد اغتيال علمائها وقادته، وأن البرنامج النووي الإيراني سيبقى شاهداً، وقد يتعرض لبعض الانتكاسات لكنه لن ينتهي.
بالنسبة لإسرائيل.. هل تمتلك سلاحًا نوويًا فعلًا؟
إسرائيل بدأت برنامجها النووي منذ إنشاء مفاعل ديمونة في صحراء النقب عام 1958، ومنذ ذلك الحين تحيط برنامجها بغموض نووي كبير، وهذا الغموض في حد ذاته أصبح ردعًا نوويًا فعالًا. فالناس إلى اليوم لا تعرف على وجه اليقين هل تمتلك إسرائيل سلاحًا نوويًا أم لا.
وأنا أقول في هذا الصدد إذا كان لديها سلاح نووي فلتعلن عنه، وإذا لم يكن لديها فلتعلن ذلك أيضًا، لكن السؤال المنطقي يظل لو كان لديها سلاح نووي، فلماذا لم تستخدمه خلال حروبها السابقة؟ ولماذا وقفت دائمًا تصرخ طالبة المساعدة من أمريكا، ولم تُنهِ الحرب لوحدها، بل دائمًا تُدخل دولًا أخرى معها؟
ثم جاءت المسرحية التي أُخرجت في الثمانينيات على يد فني يُدعى موردخاي فانونو، الذي كان يعمل في المفاعل النووي الإسرائيلي، عندما صوّر ما بداخل المفاعل وسافر إلى بريطانيا، حيث عرض الصور على إحدى الوكالات الدولية.
وقامت الوكالة بجلب خبراء قالوا إن إسرائيل تمتلك سلاحًا نوويًا، وقدّروا عدد الأسلحة بنحو 75 قنبلة نووية بناءً على تلك الصور، وفي اليوم نفسه، قبض الموساد على فانونو، الذي يُقال إنه سُجن في إسرائيل لمدة 18 عامًا. ومنذ ذلك الحين لم نسمع عنه شيئًا.
وأؤكد أن هذه المسرحية بأكملها كانت في خدمة الردع النووي، أي أنها تمثيلية مدروسة، ولم تعلن الوكالة الدولية للطاقة الذرية رسميًا أي شيء، ولابد من التأكيد على أن مفاعل ديمونة متهالك، ولو كان يحتوي فعلًا على أسلحة نووية فإنه يمثل خطرًا بيئيًا كبيرًا على المنطقة بأكملها.
وأرى أن مفاعل ديمونة ما هو إلا أكذوبة كبيرة في إطار التصنيع النووي الإسرائيلي، فجميع الشواهد تقول إن إسرائيل تحاول إرهاب الدول العربية والمنطقة بأكملها بهذا الغموض، وأؤكد أنها لا تمتلك أسلحة نووية.
ما مصير مضيق هرمز بعد الإغلاق الإيراني والحصار الأمريكي السابق؟
مضيق هرمز هو محور المفاوضات الرئيسية في هذه الأيام، ومن المتوقع أن يخضع لإدارة جديدة بقيادة دونالد ترامب، فهو شخص عنيد، يحوّل الفرص لصالحه، ويتمتع بذهنية اقتصادية حادة، وكل هذه الصفات تجعل احتمال رضوخه للضغوط ضعيفًا جدًا.
وعندما لعبت إيران بمضيق هرمز، وفرضت جباية على السفن، وتحكمت فيمن يمر ومن لا يمر، دفع ذلك ترامب إلى التفكير في احتلال المضيق وجزيرة خرج، التي تمر منها 10% من احتياجات الصين من النفط.
وفي حال السيطرة عليها، من المتوقع أن ينزل ترامب طائرات برمائية مدعومة بعدد كبير من الجنود، إلى جانب جزء من الفنيين النوويين المتواجدين على السواحل، مع قصف مستمر لتغطية العملية، مستفيدًا من غياب الدفاعات الجوية الإيرانية الفعّالة في المنطقة.
ويذكر أن روسيا هي أكبر المستفيدين من إغلاق المضيق، إذ ستتحكم في السوق العالمية للنفط وستبيع بأسعار مرتفعة لكل دول العالم.
بعد الحرب.. هل تتحول إيران إلى دولة نووية كامنة؟
شيء طبيعي جدًا، عندما يتعرض بلد للضرب يوميًا، فإن الاستجابة تصبح أمرًا حتميًا، وليس من سمات الإيرانيين الاستسلام؛ بل لديهم قدر كبير من العناد والإصرار، لذلك سترفض إيران رفضًا قاطعًا أن تنكسر، وستعمل في سرية تامة على تسريع عملية صناعة القنبلة النووية، حتى لو اضطر الأمر إلى الحصول على مساعدة من روسيا والصين وباكستان.
كيف سيكون الداخل الإيراني خلال الفترة المقبلة؟
قد تشهد إيران انهيارًا اقتصاديًا في الفترة المقبلة، لكن انهيار المنظومة السياسية أمر صعب جدًا، فالنظام هناك يعتمد على عقيدة "البقاء" الراسخة، فهناك يتم تدريب الأطفال منذ الصغر على حمل السلاح، مما يجعل الاستمرارية ممكنة حتى في أصعب الظروف، ولن ينهار النظام السياسي في طهران إلا بانهيار الحرس الثوري.
كيف ترى الهدنة أمريكا وإيران ؟
أمريكا وإسرائيل لا يفيان بوعودهما، ولن ينتظرا انتهاء الهدنة، وسيكون القصف مكثفًا جدًا، لأن المفاوضات فشلت تمامًا ولم يتفق الطرفان على أي بند، فالهدنة كانت موجودة فقط لالتقاط الأنفاس وتعزيز القدرات العسكرية وجمع المعلومات الناقصة لدى إسرائيل وأمريكا، وكذلك لدى إيران التي كانت تجمع معلومات عن قدراتها الصاروخية.
الصواريخ الباليستية لا تقلق أمريكا لأنها بعيدة عنها، لكنها تقلق إسرائيل لأنها تصل إلى عمق أراضيها. ولذلك لن تخرج إسرائيل من إيران إلا بعد أن تترك فيها كارثة بيئية، وأعتقد أن قصف مفاعل بوشهر النووي سيكون الهدف الأول.
هل من الممكن أن نشهد هدنة جديدة بين الطرفين؟
الهدنة لا تعني انتهاء الحروب، الهدن موجودة، وعدم الثقة بين الثلاثة أطراف (أمريكا وإسرائيل وإيران) كبيرة جدًا، مما يسمح بامتداد الحروب لفترات طويلة وتجدد الهدن، فالهدنة الأولى حدثت ثم عاد الضرب، والثانية كذلك، وسيحدث الضرب مرة أخرى.
إسرائيل تريد إنهاءً كاملًا لإيران، وأمريكا تريد تدمير البنية النووية لمنع الوصول إلى أسلحة نووية. وأشك في ذلك، لأن مقومات إنتاج الأسلحة النووية متوفرة لدى إيران بشكل كبير ولا تنتهي أبدًا. كل ما يحدث هو تعطيل وقتي لتجهيز الضربة الثالثة.
ما الدول التي يمكن أن تقوم بدور وسيط عقلاني لإنهاء الحرب؟
كان يُعوَّل على باكستان أن تقوم بهذا الدور، لكن التعنت الإيراني وقف حائلًا دون تحقيق ذلك، لأن النووي بالنسبة لها ردع لا تتنازل عنه أبدًا، والدولة العاقلة في المنطقة فهي مصر، فهي رمانة الميزان في المنطقة العربية والشرق الأوسط. لكن التعنت الإيراني والإسرائيلي يحول دون ذلك. ولن تكون هناك مفاوضات حقيقية؛ فالمفاوضات ما هي إلا لكسب الوقت وجمع المعلومات الاستخباراتية لضربات متتالية فيما بعد.
هل هناك رابح وخاسر من هذه الحرب؟
في كل الحروب، ودائمًا، لا يوجد رابح حقيقي. الشعوب هي الخاسر الأكبر، قد يتغير القادة دون أن يبكوا على أيامهم السابقة. الذي يبكي هو الشعب دائمًا، وعندما بدأت أمريكا وإسرائيل الحرب، كانتا تعلمان أنهما تسعيان للسيطرة الكاملة على إيران. أما التدخل البري، فقد يكون ضمن الخطط الأمريكية، لكنه يتطلب مليونًا ونصف المليون إلى مليونين من الجنود والضباط، كما حدث في العراق.
غير أن الطبيعة الجبلية لإيران تحول دون ذلك، خاصة جبال زاغروس التي تمتد 1600 كيلومتر من العراق مرورًا بإيران إلى شرق تركيا. وهذه الجبال وعرة جدًا، ولا يعرف طبيعتها إلا الإيرانيون أنفسهم.
ما الذي يمكن أن ينهي حرب أمريكا وطهران؟
هناك لغط كبير في الأوساط الإعلامية حول انتهاء الحرب يوم 21 أبريل أو استمرارها بعده. أؤكد أن إسرائيل وأمريكا لن تتركا إيران بسهولة، ولن يكون هناك انتهاء حقيقي للحرب، بل سيشهد الوضع تصعيدًا دائمًا ومستمرًا لسنوات، كما حدث مع العراق سابقًا.
فانتهاء الحرب يعني أن كل طرف استجاب للآخر عبر المفاوضات، وقد ناقشت إيران 10 بنود، بينما قدمت أمريكا 15 بندًا، ولم يتفق الطرفان على أي بند منها، ومن يعتقد أن الهدنة والمفاوضات كانت ستؤدي إلى حل حقيقي فهو مخطئ؛ فهذه الفترات تستخدم فقط لتجميع أكبر قدر من المعلومات الاستخباراتية.
فعلى سبيل المثال، بعد إسقاط طائرة أمريكية والعثور على حطامها والطيار الثاني بعد 36 ساعة، أعادت أمريكا تقييم قدرات إيران التي استطاعت الوصول إلى هذه الطائرات (ربما بمساعدة صينية أو روسية)، وكذلك قدرتها على إطلاق صواريخ باليستية تخطت مدى 2000 كيلومتر داخل إسرائيل.
وستنتهي الهدنة بمجرد اكتمال تجميع المعلومات، ووصول عدد الجنود الأمريكيين إلى أكثر من 50 ألف جندي على سواحل مضيق هرمز وجزيرة خرج. وعندها ستُقصف إيران بشدة، وسيواجهها الجانب الإيراني بضرب كل المناطق النفطية في الخليج، مما قد يحول الصراع إلى حرب إقليمية واسعة النطاق.
ما قراءتك للمشهد المستقبلي؟
نحن اليوم على حافة الهاوية النووية، وعلى أعتاب مرحلة جديدة خطيرة في منطقة الشرق الأوسط، تنعكس تداعياتها على العالم أجمع، وبعض الدول العربية ستقف ضد إيران في الفترة المقبلة، بينما ستكون الصين وروسيا وكوريا الشمالية إلى جانبها.
وهذه التحالفات والتفاعلات تمثل أمرًا خطيرًا للغاية، ونأمل ألا نشهد حروبًا نووية قادمة، أما الحرب الحالية بين إيران وأمريكا وإسرائيل، فأتوقع أنها لن تنتهي قبل 10 سنوات على الأقل.

















0 تعليق