جائزة «زايد» تستحقها عن جدارة:
الشعر الذى غنته نجاة وجائزة الشيخ زايد ثمرتان كل منهما يعضد الآخر، علمت نجاة أن الشعر بلهجته الفصحى سيمدد تغريدها على الخريطة العربية، لهذا حرصت على أن تغنيه، وربما وعلى أكثر الترجيح أنه كان لديها فرص أكثر وأشمل لغناء الشعر، لكنها كثيرًا ما كانت تتراجع خوف مهابة القصيدة وجلالها، أو ضعف إنتاجها فى مرة أخرى، أو كلمة رأتها غير ملائمة أو تثير شيئًا من خدش الحياء فحسر بذلك الشعر صوتًا كان ينقصه أن يكون أكثر جرأة فى التعامل مع الشهر، وقد اقتربت من المطربة نجاة الصغيرة، وعلمت كيف تفكر وتكون «موسوسة» لدرجة تنفع الفن فى كثير من الأحيان وتضره أيضًا، كان بإمكان نجاة رغم جمال ما قدمته لنا، أن تقدم المزيد، إنها كانت الجمال المكثف القليل، وقد وصفها الموسيقار محمد عبدالوهاب بأنها «تفكير فى الداء، أو الأداء المفكر، تتركنى وأنا فى حزن لذيذ». وقد قال عنها الموسيقار محمد عبدالوهاب لابنه محمد محمد عبدالوهاب إن من أجمل ما فى نجاة أنها تحفظ اللحن بسرعة، فلا ترهقه فى تحفيظها، ولا شك أيضًا أن نجاة تمتلك العديد من القصائد والتسجيلات الغنائية المحتفظة بها، ولم تظهر بعد للنور.
عرفت ذلك من موسيقيين اقتربوا منها من بينهم المايسترو «محمد كرم» الذى كان يقود فرقتها الموسيقية، بعد أن كانت تغنى بمصاحبة الفنان أحمد فؤاد حسن، حرصت نجاة على أن تغنى الشعر حتى آخر أعمالها تقريبًا مع عبدالوهاب بقصيدة «أسألك الرحيل» للشاعر نزار قبانى الذى وصفه عبدالوهاب قائلاً: «الشاعر نزار قبانى ينظم الشعر بعينيه لا بقلبه، فهو مصور، أشعاره لوحات جميلة بأسلوب جذاب بسيط ورشيق.. ويواصل وصفه عنه «إن نزار يخاطب المرأة والحب كأنه إمبراطور يأمر فيطاع، وأنه يتفضل على الحب والمرأة بما يجود به، لم أشعر ولم أتصور أبدًا أن نزار يركع على قدمى محبوبته أو أن يتذلل لها.. إنه أرفع من هذا.. إنه ليس بإنسان يلتاع ويهيم.. إنه ملك. أذكر فى إحدى «البروفات» التى كانت تجريها نجاة، وقد حضرت معها، أن غنت بسلطنتها المعهودة، وبعد أن انتهت من الروفة، قالت لى لتعرف كم نتعب من أجل الغناء، فقلت لها يا هانم «والكبير الكبير دومًا يعانى، رأيتها تختار بعض العازفين بنفسها لتبعدهم عن البروفات والحفلة فلا يعجبونها أو هى تراهم كذلك، والحقيقة أن وسوسة زائدة حرمتنا من الكثير من الغناء الذى كان بإمكان نجاة أن تغنيه لولا هذه الوسوسة، وما أصعب أن يضيع المطرب أو الصوت فرص الغناء، فربما فى الغد لا يستطيع أن يغنى ما كان باستطاعته بالأمس، بإمكان نجاة أن تكفر عن بعض هذه الوسوسة الآن بأن تطرح ما لديها من أغنيات سجلتها بصوتها، وتحتفظ بها فى بيتها، وبإمكانها أن تصور تلك الأغنيات بالذكاء الاصطناعى كما يستخدم هذا الذكاء الاصطناعى فى إعادة طرح بعض أغنياتها القديمة والشهيرة، بإمكانها كذلك أن تطرح فيلمًا وثائقيًا قامت هى بإنتاجه وإدارته يتناول مسيرتها تكلم فيه كبار الفنانين ومشاهير الصحفيين وقتها، ولم يطرح هذا الفيلم الوثائقى بعد، لقد ارتفعت نجاة حقًا بالشعر بفصحاه وعاميته، وما زلنا فى شوق لسماع المزيد من أعمالها، وسعدنا بجائزة الشيخ زايد التى منحت لفنانة من هذا الزمان تستحقها عن جدارة، وهى تكريم لزمن بأكمله، اجتمع فيه العرب على زعاماتهم الفنية وإن اختلفوا على زعاماتهم السياسية.
فازت نجاة بجائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها العشرين، فرع «شخصية العام الثقافية»، تقديرًا لمسيرتها الثرية التي قدمت خلالها عددًا كبيرًا من القصائد المغنّاة التي أسهمت في تعزيز حضور اللغة العربية في الوجدان، وترسيخ محبتها لدى الأجيال المتعاقبة.
ومن المقرر تكريم نجاة الصغيرة بميدالية ذهبية وشهادة تقدير، إضافةً إلى مكافأة مالية قدرها مليون درهم إماراتى. وتتزامن هذه الدورة مع احتفالات الجائزة بمرور عشرين عامًا على تأسيسها، وسط مشاركة عالمية واسعة بلغت 4000 ترشيح من مختلف القارات، ما يؤكد مكانة الجائزة كمنارة عالمية تدعم الأدب العربى وتفتح آفاقًا جديدة للحوار الثقافى بين الشعوب.


















0 تعليق