فضل شهر ذي القعدة يمثل محطة إيمانية استثنائية في حياة المسلم، فهو ليس مجرد شهر يسبق موسم الحج، بل هو "هدنة ربانية" تمنح الروح فرصة للتطهر والسكينة.
ومع حلول هذا الشهر المبارك، الذي يعد الحادي عشر في التقويم الهجري، تتوجه الأنظار إلى قيمة الأشهر الحرم التي عظمها الله سبحانه وتعالى ونهى فيها عن الظلم بكافة أشكاله، تشريفاً لمكانتها وتأكيداً على قدسيتها في نفوس المؤمنين.
سر التسمية: لماذا "قعد" العرب في هذا الشهر؟
كشف مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية عن الدلالات اللغوية والتاريخية لهذا الشهر، حيث سُمي "ذو القعدة" بهذا الاسم لأن العرب قديماً كانوا يقعدون فيه عن القتال والترحال، استعداداً لاستقبال حجاج بيت الله الحرام. ويعد فضل شهر ذي القعدة كبيراً كونه أول الأشهر الحرم المتوالية، التي تضع فيها الحروب أوزارها وتفتح فيها القلوب أبواب التوبة والإنابة.
القرآن الكريم يوثق حرمة "الشهر الحرام"
لقد عظم الحق سبحانه وتعالى شأن هذا الشهر في محكم التنزيل، حيث ارتبط ذكره بمبدأ القصاص والحرمات.
ويبرز فضل شهر ذي القعدة في قوله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} [البقرة: 194].
ويؤكد المفسرون وعلماء الأزهر الشريف أن "الشهر الحرام" المعني في هذه الآية هو شهر ذي القعدة، مما يضفي عليه هيبة دينية تجعل العمل الصالح فيه مضاعف الأجر، والوقوع في المعاصي أعظم وزراً.
على خطى المصطفى: لماذا اعتمر النبي فيه ٤ مرات؟
لم يقتصر تعظيم هذا الشهر على النصوص القرآنية فحسب، بل تجلى فضل شهر ذي القعدة في السنة النبوية المطهرة بشكل عملي ومبهر؛ إذ جعل النبي ﷺ من هذا الشهر ميقاتاً لعمراته. وبحسب ما ورد في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه، فإن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمرات، كلهن وقعن في شهر ذي القعدة (باستثناء التي كانت مع حجته)، وهي: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء في العام التالي، وعمرة الجعرانة، وعمرته مع حجة الوداع. هذا الاختيار النبوي يجعل من أداء العمرة في هذا الشهر سُنة محببة تقتفي أثر المصطفى.
نصيحة "الأزهر" لاستغلال أيام الاستجابة
في ختام تقريره حول فضل شهر ذي القعدة، شدد مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية على ضرورة اغتنام هذه الأيام في الطاعات والابتعاد عن المشاحنات. فبما أنه شهر "القعود عن القتال"، فليكن أيضاً شهراً للقعود عن الغيبة والنميمة وظلم النفس، وتهيئتها لاستقبال نسائم ذي الحجة وعشر ذي الحجة المباركة بقلب سليم ونفس مطمئنة.

















0 تعليق