بينما تضج عواصم العالم بالقلق من تقلبات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الحبوب، ترسم سواعد العقول المصرية في معامل مركز البحوث الزراعية وحقول التجارب ملامح استقلال غذائي حقيقي. لم تكن الصدفة هي التي جمعت بين اسم الدكتور سعيد سليمان وابتكاره في أرز عرابي، والدكتور عبد المنعم الجندي وسلالات بطاطا الخبز بل هو الهمّ الوطني المشترك لكسر قيد الاستيراد.
لسنوات طويلة كان الأرز هو المتهم الأول بإهدار ثروتنا المائية، حتى جاء الدكتور سعيد سليمان ليقلب الطاولة بابتكاره أرز عرابي. هذا المحصول ليس مجرد صنف جديد، بل هو محارب للجفاف.
بينما تستهلك الأصناف التقليدية مياهاً غزيرة، يقف عرابي شامخاً بقدرة مذهلة على التحمل موفراً قرابة 40% من مياه الري.
إنها ثورة تكنولوجية تمنح مصر الفرصة للتوسع في زراعة الأرز دون المساس بأمنها المائي، مع إنتاجية تتجاوز الـ 4 طن للفدان، مما يجعله الذهب الأبيض الذي ينمو في أحلك الظروف الملحية والمناخية.
وعلى الجانب الآخر من معادلة الأمن الغذائي، نجد الدكتور عبد المنعم الجندي قد أحدث زلزالاً في صناعة الخبز. فبينما يظل القمح هو الصداع المزمن للموازنة العامة، قدمت بطاطا الجندي الحل السحري.
هذه الأصناف التي استنبطها الجندي ليست للتحلية، بل هي أصناف صناعية بامتياز، تتميز بارتفاع المادة الجافة وانخفاض السكريات. الابتكار يكمن في الخلطة الذهبية إضافة 20% إلى 30% من مسلوق هذه البطاطا إلى دقيق القمح لإنتاج رغيف خبز يتفوق على الرغيف التقليدي في القيمة الغذائية والطعم، ويوفر للدولة مليارات الدولارات سنوياً .
الجميل في ابتكارات سليمان والجندي أنها لا تكتفي بملء البطون، بل تدعم الظهير الحيواني أيضاً. فمخلفات أرز عرابي (القش) وعروش بطاطا الجندي الخضراء تمثل كنزاً علفياً غير مستغل.
السيلاج المصنع من عروش البطاطا يعد من أجود أنواع الأعلاف التي ترفع معدلات التحويل في تسمين الماشية، مما يعني انخفاضاً تلقائياً في أسعار اللحوم والألبان.
إن التكامل بين أرز يوفر الماء وبطاطا تسد جزء من عجز القمح هو الرد العملي على كل التحديات الراهنة. إننا أمام مشروع قومي يحتاج إلى مظلة تشريعية وتنفيذية تتبنى هذه الأصناف وتدعم انتشارها في المناطق الواعدة كـ الفرافرة و توشكى.
لقد أدى العلم دوره، ووضع الدكتور سعيد سليمان والدكتور عبد المنعم الجندي خريطة الطريق بين أيدينا. يبقى الدور على الدولة لتتحول هذه الأبحاث من أوراق في المجلدات علي الارفف إلى أرغفة خبز ومحاصيل خضراء تؤمن مستقبل الأجيال القادمة.

















0 تعليق