حين تقطعت الأيدى حول «الجمل»

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الأحد 19/أبريل/2026 - 08:19 م 4/19/2026 8:19:24 PM

قد تتعجب حين تعلم أن طلحة والزبير كانا أشهر من تأخر فى بيعة أبى بكر الصديق رضى الله عنه بالخلافة، وتأخر معهما على بن أبى طالب وجمع من بنى هاشم. يقول «نور الدين الحلبى» صاحب السيرة الحلبية: «لما تحقق موت النبى، صلى الله عليه وسلم، واجتمع غالب المهاجرين على أبى بكر وعمر وانضم إليهم من الأنصار أسيد بن حضير ومن معه من الأوس، وتخلف على والزبير ومن كان معهما من المهاجرين كالعباس وطلحة بن عبيدالله والمقداد وجمع من بنى هاشم فى بيت فاطمة رضى الله عنها». ويشير «ابن الأثير» فى كتابه «الكامل فى التاريخ» إلى أن «الزبير» رفض مبايعة أبى بكر الصديق وقال: «لا أغمد سيفًا حتى يبايع على. فقال عمر: خذوا سيفه واضربوا به الحجر، ثم أتاهم عمر فأخذهم للبيعة».

كان ذلك موقف طلحة والزبير من بيعة أبى بكر، انحيازًا منهما لعلى بن أبى طالب، ثم بايع الجميع الخليفة الأول، أما عمر فقد بايعه الجميع، وحين اغتيل، رضى الله عنه، عهد بالأمر من بعده إلى ستة يتم اختيار الخليفة من بينهم، وكان منهم طلحة والزبير، ولما احتدم الصراع بينهم فوّض كل واحد منهم ما له فى ذلك إلى غيره، واللافت أن «الزبير» فوض ما له فى الأمر إلى «على»، فى حين فوض «طلحة» ما له إلى «عثمان»، ما يمنحك مؤشرًا مبدئيًا حول توجهات كل منهما نحو على بن أبى طالب. وبعد اغتيال «عثمان» أصبح «الغافقى بن حرب» أمير المدينة، وانطلق ومن معه من الثائرين يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر. المصريون يلحون على «على» وهو يهرب منهم، ويطلب الكوفيون «الزبير» فلا يجدونه، والبصريون يطلبون «طلحة» فلا يجيبهم. لقد كان هناك انقسام بين الثوار أنفسهم حول من يلى الأمر بعد عثمان، والكل كان يهرب- وعلى رأسهم على بن أبى طالب- من تولى الأمر فى ظرف الفتنة المشتعلة فى كل اتجاه، وكما هرب على هرب طلحة والزبير، ولكن الموقف اختلف بعد أن وجد على بن أبى طالب أن الواجب والضرورة يفرضان عليه تحمل المسئولية وقبول الخلافة حتى لا ينفرط عقد الأمة، هنالك اختلفت أمور، وبدا من كانوا يهربون من الخلافة بالأمس يرفضون أن يتولاها على. 

كان طلحة بن عبيدالله أول من بايع عليًا، بايعه بيده الشلاء، فقال قائل: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم الزبير، وقال «الزبير» بعدها: إنما بايعت عليًا والسيف على عنقى. كان موقف على بن أبى طالب مختلفًا أشد الاختلاف عن موقف كل من طلحة والزبير، فقد عرضت الخلافة على كل من طلحة والزبير- كما سبق وأشرنا- لكنهما خافا من حمل الأمر فى مثل هذه الظروف، ولما قبلها على بن أبى طالب تحولا إليه يطلب كل منهما ولاية مصر من الأمصار التى يعلم أنها تحتشد بزخم من المؤيدين له. يحكى صاحب «البداية والنهاية» أن طلحة والزبير دخلا على «على» ومعهما جماعة من صحابة النبى صلى الله عليه وسلم، وطلبوا منه إقامة الحدود، والأخذ بدم عثمان، فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا، فطلب منه «الزبير» أن يوليه إمرة الكوفة ليأتيه بالجنود، وطلب منه «طلحة» أن يوليه إمرة البصرة ليأتيه منها بالجنود، ليقوى بهم على شوكة هؤلاء الخوارج وجهلة الأعراب الذين كانوا معهم فى قتل عثمان، رضى الله عنه، فقال لهما: بل تكونان عندى أستأنس بكما. 

لم يلبث كل من طلحة والزبير إلا قليلًا حتى استأذنا عليًا فى الخروج للاعتمار وكان هدفهما الأساسى من وراء ذلك الانضمام إلى الحزب الذى بدأ يتشكل فى «مكة» لمناهضة حكم على بن أبى طالب، حيث كانت السيدة عائشة تدعو إلى الثأر من قتلة «عثمان»، تبع هذا الحزب جمع غفير من الناس، وقرروا الزحف إلى البصرة لمواجهة على بن أبى طالب، وقد اجتمع مع على عشرون ألفًا، والتف على عائشة ومن معها نحو ثلاثين ألفًا. وقد قتل يوم الجمل خلق كثير، ويُقال إنه قطعت أيدى سبعين رجلًا وهى آخذة بخطام الجمل، وأقام «على» بظاهر البصرة ثلاثًا، ثم صلى على القتلى من الفريقين، ثم جمع ما وجد لأصحاب عائشة فى المعسكر، وأمر به أن يحمل إلى مسجد البصرة، فمن عرف شيئًا هو لأهلهم فليأخذه، وكان مجموع من قُتل يوم الجمل من الفريقين عشرة آلاف.

قيل إنه لما حضر يوم الجمل واجتمع على بطلحة وعظه فتأخر ووقف فى بعض الصفوف، فجاءه سهم غادر أودى بحياته، وقيل إن الذى أطلقه عليه مروان بن الحكم، وتمكن عمرو بن جرموز من الزبير بن العوام فقتله واحتز رأسه وذهب به إلى على بن أبى طالب فغضب الأخير من ذلك غضبًا كبيرًا. وأيًا ما قيل عن الطريقة التى قتل بها الصحابيان طلحة والزبير، فقد فتح مقتلهما بابًا كبيرًا من أبواب الفتنة، وقد كانت للرجلين وجهة نظر لها مؤيدون وأتباع وأنصار، ولم يؤدِ اختفاؤهما من فوق مسرح الصراع إلى تهدئة الأمور، بل تعقدت أكثر وأكثر. رضوان الله تعالى على صحابة النبى جميعهم.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق