يشكّل خبر انسحاب الولايات المتحدة من قواعدها العسكرية في سوريا وتسليمها للجيش السوري تحولًا لافتًا في مسار الصراع الإقليمي، لكنه في جوهره ليس حدثًا مفاجئًا بقدر ما هو نتيجة طبيعية لمسار طويل من إعادة التموضع الاستراتيجي.
منذ تدخلها في سوريا ضمن التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ركّزت واشنطن على هدف محدد: القضاء على التنظيم ومنع تمدده. ومع تراجع "داعش" عسكريًا إلى حد كبير، فقد الوجود الأمريكي مبرره الرئيسي، خاصة في ظل غياب رؤية واضحة لمرحلة ما بعد الحرب. هذا الفراغ الاستراتيجي جعل استمرار الانتشار العسكري عبئًا أكثر منه ضرورة.
لكن الانسحاب لا يمكن فهمه فقط من زاوية "انتهاء المهمة". فهناك تحوّل أعمق في العقيدة الأمريكية، يقوم على تقليل الانخراط المباشر في نزاعات الشرق الأوسط والتركيز على منافسات كبرى مع قوى مثل الصين وروسيا. هذا التحول يعني أن مناطق مثل سوريا لم تعد في صدارة الأولويات، حتى وإن ظلت ذات أهمية تكتيكية. وإلى جانب ذلك، يرى محللون أن واشنطن تهدف لتقليل التكلفة التشغيلية وإعادة توجيه الموارد العسكرية والاستخباراتية نحو جبهات الصراع العالمي الكبرى، وهو ما يفسر رغبة واشنطن في إيجاد ذريعة للرحيل عبر نقل مسؤولياتها الأمنية للجيش السوري الجديد.
ولا يمكن إغفال فكرة دمج قوات قسد مع الحكومة السورية كسبب إضافي، وهذا ما جعل واشنطن ترى أن الغرض الأصلي من شراكتها مع قوات قسد قد "انتهت صلاحيته إلى حد كبير"، دافعة باتجاه دمج هذه القوات ضمن هيكلية الدولة السورية لضمان الاستقرار بعد رحيل القوات الأمريكية.
في المقابل، لا يعني الانسحاب نهاية الدور الأمريكي كليًا. فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك أدوات تأثير غير مباشرة، مثل الضغوط الاقتصادية، والعقوبات، والدعم الاستخباراتي لحلفائها. كما تحتفظ بقدرة على التدخل السريع إذا ما عاد تهديد الجماعات المتطرفة للواجهة.
إقليميًا، يفتح هذا الانسحاب الباب أمام إعادة رسم توازنات القوى. تركيا، على سبيل المثال، ستراقب عن كثب أي تغيّر في مناطق الشمال، خاصة ما يتعلق بالقوى الكردية. في الوقت نفسه، قد ترى دول أخرى في هذا الانسحاب مؤشرًا على تراجع الالتزام الأمريكي في المنطقة، ما يدفعها للبحث عن بدائل أو تعزيز شراكات جديدة.
أما داخليًا في سوريا، فقد يعزز هذا التطور موقع الدولة، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية التعقيدات، إذ لا تزال هناك تحديات اقتصادية وأمنية عميقة، إضافة إلى استمرار الانقسامات في بعض المناطق.
في المحصلة، لا يمكن قراءة ما حدث كـ "تسليم بسيط لقواعد عسكرية"، بل كجزء من إعادة ترتيب أوسع للأدوار والنفوذ. إنه انتقال من حضور عسكري مباشر إلى تأثير أقل ظهورًا، ومن مرحلة المواجهة إلى مرحلة إدارة التوازنات. وبينما يبدو الحدث في ظاهره نهاية فصل، فإنه في الواقع يفتح بابًا لفصل جديد أكثر تعقيدًا في المشهد السوري والإقليمي.
















0 تعليق