في تحرك يعكس أولوية ملف السكان على أجندة الدولة المصرية، أكدت الدكتورة / عبلة الألفي نائب وزير الصحة والسكان لشؤون السكان وتنمية الأسرة، أن منظومة الصحة الإنجابية في مصر تواجه تحديات هيكلية معقدة، يأتي في مقدمتها الارتفاع الملحوظ في معدلات الولادة القيصرية، والتي سجلت نحو 80% خلال عام 2025 مقارنة بـ 72% في عام 2023، في مؤشر يثير العديد من التساؤلات حول أنماط تقديم الخدمة الصحية.
جاء ذلك خلال لقائها مع السيدة / ديين كيتا السكرتير التنفيذي لـ صندوق الأمم المتحدة للسكان، حيث أوضحت أن هذا الارتفاع يرتبط بشكل كبير بالاعتماد المتزايد على القطاع الخاص، الذي يستحوذ على ما يقرب من 75% من إجمالي الولادات، إلى جانب تراجع الإقبال على خدمات القطاع الحكومي، وهو ما يستدعي تدخلات عاجلة لإعادة التوازن إلى منظومة تقديم الخدمة.
وأشارت إلى أن الدولة، وبدعم مباشر من القيادة السياسية، تولي هذا الملف اهتمامًا بالغًا، حيث تم بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان تبني استراتيجية وطنية متكاملة تستهدف خفض معدلات العمليات القيصرية غير المبررة، من خلال رفع الوعي المجتمعي بمخاطرها، إلى جانب تطوير خدمات صحية “صديقة للأم”، والتوسع في إنشاء مراكز متخصصة داخل المستشفيات الحكومية، بما يسهم في تحسين جودة الخدمات واستعادة ثقة المنتفعات.
وفي سياق متصل، أكدت الدكتورة عبلة الألفي أن الاستثمار في “الألف يوم الذهبية” يمثل حجر الزاوية في تحسين مؤشرات الصحة العامة، موضحة أن نحو 85% من تطور القدرات الذهنية والمعرفية للطفل يحدث خلال أول عامين من حياته، وهو ما يتطلب تبني نهج متكامل يشمل الأبعاد الصحية والتغذوية والنفسية والاجتماعية، بما يسهم في الحد من معدلات وفيات الأمهات والمواليد، وتحسين جودة الحياة.
كما شددت على أهمية سياسات تنظيم الإنجاب القائمة على التباعد الصحي بين الولادات، باعتبارها أحد الأدوات الفعالة في تحسين المؤشرات السكانية، ودعم جهود التنمية المستدامة، مع الإشارة إلى إمكانية تعميم التجربة المصرية على المستويين العربي والإفريقي، خاصة في ظل توافقها مع أولويات التنمية ضمن أجندة إفريقيا 2063.
ودعت إلى تعزيز التعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان، من خلال تقديم الدعم الفني والعلمي، وتسريع تنفيذ الاستراتيجيات الوطنية، وحشد الموارد، إلى جانب توسيع نطاق الشراكات مع القطاع الخاص، ودعم الإنتاج المحلي لمستلزمات الصحة الإنجابية، بما يسهم في تحقيق الاستدامة وتعزيز الأمن الصحي.
من جانبها، أكدت السيدة / ديين كيتا أن مصر تمثل شريكًا استراتيجيًا محوريًا على المستويين الإقليمي والدولي، مشيرة إلى أن نجاحها في إدارة القضايا السكانية والصحية يمتد تأثيره إلى القارة الإفريقية ومنطقة الشرق الأوسط، في ظل ثقلها السكاني وموقعها الجغرافي.
وأعربت عن التزام الصندوق الكامل بدعم الجهود المصرية، خاصة في مجالات صحة الأم والطفل، وإحياء نموذج “القبالة”، مؤكدة أن خفض معدلات الولادة القيصرية يمثل أولوية عالمية تتطلب تنسيقًا دوليًا وتكثيفًا للجهود المشتركة.
وشددت على أهمية تبني نهج عملي قائم على الحلول القابلة للتطبيق، من خلال التوسع في المنشآت الصحية الصغيرة والمتوسطة القريبة من المواطنين، إلى جانب العمل على تعبئة الموارد عبر الشراكات الدولية، خاصة مع مؤسسات التمويل الكبرى مثل البنك الدولي.
كما أكدت أهمية دعم الإنتاج المحلي ونقل التكنولوجيا في مجال مستلزمات الصحة الإنجابية، بما يعزز قدرة مصر على الاندماج في سلاسل الإمداد العالمية، ويؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا للإنتاج والتوزيع، خاصة داخل القارة الإفريقية.
ما بين التحديات والفرص، تتحرك مصر بخطى مدروسة لإعادة ضبط منظومة الصحة الإنجابية، عبر مزيج من الإصلاح المؤسسي، والتوعية المجتمعية، والشراكات الدولية، في محاولة لتحويل التحديات السكانية إلى قوة دافعة للتنمية، وبناء مستقبل أكثر استدامة للأجيال القادمة.


















0 تعليق