في وقتٍ تتصاعد فيه معدلات الإصابة بالسكتة الدماغية باعتبارها أحد أخطر التحديات الصحية في المنطقة، جاء انعقاد المؤتمر الدولي الثالث لجمعية الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للسكتة الدماغية والقسطرة المخية ليضع هذا “القاتل الصامت” تحت مجهر العلم، مؤكدًا أن التعامل معه لم يعد خيارًا طبيًا فقط، بل ضرورة إنسانية وأولوية صحية عابرة للحدود.
المؤتمر، الذي نظمته جمعية الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للسكتة الدماغية والقسطرة المخية، لم يكن مجرد منصة علمية تقليدية، بل مساحة إقليمية لتوحيد الرؤى وتبادل الخبرات حول أحدث ما توصلت إليه الأبحاث في التشخيص السريع والتدخل العلاجي الدقيق، في سباق محسوم ضد عامل الوقت، حيث تُفقد ملايين الخلايا العصبية مع كل دقيقة تأخير.
ومن جانبها، أكدت منظمة الصحة العالمية، عبر ممثلها في مصر الدكتور نعمة عابد، أن خطورة السكتة الدماغية في تزايد مستمر، مدفوعة بانتشار عوامل الخطر وعلى رأسها ارتفاع ضغط الدم والسكري، إلى جانب أنماط الحياة غير الصحية والتلوث البيئي. وأوضح أن مصر ليست بمعزل عن هذا التحدي، لكنها قطعت شوطًا مهمًا في تعزيز الاستجابة الصحية، خاصة من خلال الربط بين التدخلات العلاجية ومبادرات الوقاية، وعلى رأسها مبادرة “100 مليون صحة”، التي ساهمت في الكشف المبكر عن ملايين الحالات.
وأشار إلى أن التحدي الحقيقي لم يعد في توافر المعرفة الطبية، بل في سرعة تحويلها إلى تدخلات فعلية تصل إلى المريض في الوقت المناسب، وهو ما يتطلب تكاملًا بين النظم الصحية، وتوظيفًا أكبر للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، جاءت رؤية وزارة الصحة والسكان، التي نقلها الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي، مؤكدًا أن الدولة المصرية تتعامل مع السكتة الدماغية باعتبارها “ملف أمن صحي قومي”. وأوضح أن التحول الذي شهدته المنظومة الصحية لم يكن عشوائيًا، بل استند إلى بناء شبكة قومية متكاملة للسكتة الدماغية تقوم على أربعة محاور رئيسية: الوقاية، والتوعية، وتطوير الوحدات المتخصصة، واستخدام البيانات والذكاء الاصطناعي لتسريع التشخيص وتحسين دقة التدخل العلاجي.
ونقل عن الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، تأكيده أن “أي تقدم علمي يظل ناقصًا إذا لم يصل إلى المريض”، مشددًا على أن التكامل بين مستشفيات الوزارة والجامعات والشرطة والقوات المسلحة والقطاع الخاص يمثل حجر الزاوية في نجاح المنظومة، إلى جانب الاستثمار في العنصر البشري، الذي وصفه بأنه الأساس الحقيقي لإنقاذ الأرواح، مضيفًا: “الوقت يساوي حياة”.
ولم تنفصل هذه الرؤية عن التوجه الأوسع نحو الوقاية من الأمراض غير السارية، حيث يتقاطع ملف السكتة الدماغية بشكل مباشر مع أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والسكري. وفي هذا الإطار، أطلقت وزارة الصحة مبادرة “صحة القلب في أفريقيا” بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية وشركاء دوليين، في خطوة تستهدف الانتقال من العلاج إلى الوقاية المبكرة.
وكشف وزير الصحة أن نحو 29% من المصريين يعانون من ارتفاع ضغط الدم، فيما تصل نسبة الإصابة بالسكري إلى 15%، وهي أرقام تعكس حجم التحدي، خاصة أن التحكم المبكر في هذه الأمراض يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية بنسبة تصل إلى 50%.
وترتكز المبادرة على التوسع في الكشف المبكر باستخدام أحدث التقنيات، والمتابعة المستمرة للمرضى، وتدريب الكوادر الطبية وفق بروتوكولات عالمية، إلى جانب حملات توعية مكثفة تستهدف الوصول إلى المواطنين في مختلف المواقع الحيوية.
وفي كلمات الحضور، أجمع الخبراء والمسؤولون على أن مصر تمتلك قاعدة قوية للانطلاق إقليميًا في هذا الملف. حيث أشاد الدكتور محمد عوض تاج الدين، مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الصحة، بجهود الكوادر الطبية، مؤكدًا أن المشروعات الطبية الجديدة ستوفر خدمات متكاملة وفق أعلى معايير الجودة، وتعزز من قدرة الدولة على التعامل مع السكتات الدماغية بكفاءة أعلى.
كما أكد الدكتور عادل العدوي، وزير الصحة الأسبق، أن المؤتمر يمثل منصة حقيقية لتبادل الخبرات، خاصة في مجال القسطرة المخية، مشددًا على أهمية التدريب المستمر ودعم البحث العلمي لمواكبة التطورات المتسارعة في هذا التخصص الدقيق.
ومن جانبه، أشار الدكتور أحمد بسيوني، رئيس المؤتمر، إلى أن استضافة هذا الحدث تعكس ثقة المجتمع العلمي الدولي في الخبرات المصرية، وقدرتها على قيادة حوار إقليمي حول مستقبل علاج السكتة الدماغية، خاصة في ظل التطور التكنولوجي المتسارع.
وشهد المؤتمر حضورًا رفيع المستوى ضم عددًا من السفراء، بينهم السفير التركي بالقاهرة، والسفير التشادي، والسفير الموريتاني، إلى جانب قيادات طبية بارزة، في تأكيد واضح على البعد الدولي والتعاوني لهذا الملف.
وفي المحصلة، يبعث المؤتمر برسالة حاسمة: أن مواجهة السكتة الدماغية لم تعد معركة طبية فقط، بل منظومة متكاملة تبدأ من الوقاية، وتمر بالتشخيص السريع، وتنتهي بتدخل علاجي دقيق في الوقت المناسب. وبينما تتقدم التكنولوجيا وتتراكم المعرفة، يبقى التحدي الأكبر هو القدرة على تحويل كل ذلك إلى فرصة حقيقية للحياة.
السكتة الدماغية.. سباق مع الزمن» — من القاهرة رسالة إقليمية لتحويل المعرفة إلى إنقاذ حياة
السكتة الدماغية.. سباق مع الزمن» — من القاهرة رسالة إقليمية لتحويل المعرفة إلى إنقاذ حياة
















0 تعليق