الهدف: الوعى بسعة رحمة الله تعالى، وحرمة النفس الإنسانية، وبث روح الأمل عند الشدائد
الخطبة الثانية: جريمة الانتحار
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وسِعَتْ رحمتُه كلَّ شيء، فجعلها بابَ رجاءٍ لا يُغلق، ونورَ أملٍ لا ينطفئ فى قلوب الساعين إليه، القاصدين بابه، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدنا محمدٍ، رحمةِ اللهِ المهداة إلى العالمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الغرِّ الميامين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد،
فإنَّ للنفسِ البشريةِ فى الإسلامِ مكانةً سامية، ومنزلةً رفيعة، تُقدَّم حرمتُها على الأموال وسائر المتاع؛ إذ جعلها الشرعُ مقصدًا عظيمًا من مقاصد تشريعه، وصانها من كل اعتداء، فنهى عن الإضرار بها، فضلًا عن إزهاقها وإهلاكها.
وكيف لا، وقد أحاطها الله بعنايته، فجعل لكلِّ ألمٍ يعتريها دواء، ولكلِّ مصيبةٍ تنزل بها سلوى، وفتح أمامها أبوابَ الرجاء، لتبقى الروحُ معلَّقةً بالأمل، والقلبُ موصولًا برحمة الله الواسعة، فلا يَضيقُ أفقُ المؤمنِ وإن اشتدَّت به الخطوب، ولا ينطفئُ سراجُ رجائه وإن أحاطت به الظلمات؛ لأنَّه يعلمُ أنَّ وراء كلِّ عُسرٍ يُسرًا، ومع كلِّ كربٍ فرجًا، وبعد الضيق سَعة، وبعد الانكسار جبرًا، وأنَّ ربَّه أرحمُ به من نفسه فلا ييأسُ ولا يقنط، فحياته بين صبرٍ جميلٍ عند البلاء، ورجاءٍ صادقٍ فى العطاء، حتى يلقى الله وقلبُه عامرٌ بالثقة، مطمئنٌّ إلى وعده، مستبشرٌ بلطفه الذى لا يخيب.
وإليك بيان ذلك مفصَّلًا:
• كتب ربكم على نفسه الرحمة:
الرحمةُ صفةُ المولى تبارك وتعالى، وهى فى حقِّه إحسانٌ وإفضالٌ يتجلَّى فى لطفه بعباده، ورعايته لشؤونهم، وسترِه لعيوبهم، وتيسيرِه لأمورهم؛ فقد كتب ربُّنا على نفسه الرحمة، وجعلها أصلَ معاملته لخلقه، يفتح بها أبواب المغفرة، ويُوسِّع بها ميادين العفو، ويُفيض بها على القلوب سكينةً وطمأنينة.
فما من عبدٍ أقبل عليه صادقًا إلا شملته رحمته، ولا منكسِرٍ لجأ إليه إلا جبره، ولا مذنبٍ استغفره إلا غفر له، لتبقى الرحمةُ الإلهيةُ، ملاذًا آمنًا لكلِّ خائفٍ، ونورًا يهدى الحائرين إلى طريق الأمل واليقين.
قال تعالى: {قُلْ لِمَنْ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: ١٢]، وقال تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة} [الأنعام: ٥٤].
قال الزمخشري: « كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أى أوجبها على ذاته فى هدايتكم إلى معرفته، ونصَب الأدلة لكم على توحيده بما أنتم مقرون به من خلق السماوات والأرض « [الكشاف].
وقال البيضاوي: «كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ التزمها تفضلًا وإحسانًا، والمراد بالرحمة ما يعم الدارين ومن ذلك الهداية إلى معرفته، والعلم بتوحيده بنصب الأدلة، وإنزال الكتب والإِمهال على الكفر» [أنوار التنزيل وأسرار التأويل].
وقد أشار النبى صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى، حيث قال: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِى كِتَابِهِ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِى غَلَبَتْ غَضَبِي». [صحيح البخاري]
قال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني: «وقالَ الطِّيبِيُّ: فِى سَبقِ الرَّحمَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ قِسْطَ الْخَلْقِ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ قِسْطِهِمْ مِنَ الْغَضَبِ وَأَنَّهَا تَنَالُهُمْ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، وَأَنَّ الْغَضَبَ لَا يَنَالُهُمْ إِلَّا بِاسْتِحْقَاقٍ، فَالرَّحْمَةُ تَشْمَلُ الشَّخْصَ جَنِينًا وَرَضِيعًا وَفَطِيمًا وَنَاشِئًا قَبْلَ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنَ الطَّاعَةِ، وَلَا يَلْحَقُهُ الْغَضَبُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ مَا يَسْتَحِقُّ مَعَهُ ذَلِكَ».
• حرمة النفس.. قدسية الحياة فى ميزان السماء:
إنَّ النفسَ الإنسانيةَ فى ميزانِ السماءِ أمانةٌ عظيمةٌ أودعها الله فى هذا الكيان، ونفخةٌ من سرِّه، أحاطها بسياجٍ من الحرمة، وجعل الاعتداءَ عليها من أعظم الجرائم وأشدِّها وزرًا. فالحياةُ عند الله مقدَّسة، تُصان من العبث، وتُحمى من العدوان، وتُحفظ من كلِّ ما يُنقص قدرها أو يهدِّد بقاءها.
ومن هنا جاء التشريعُ الإلهيُّ حازمًا فى صيانة النفس، رفيقًا فى رعايتها، فنهى عن قتلها، وزجر عن إيذائها، وحرَّم ترويعها، بل جعل إحياءَها سببًا للفوز العظيم، واعتبر من أحيا نفسًا كأنما أحيا الناس جميعًا، وعلِّمنا أن نحيا بأنفسنا حياةً كريمة، وأن نحفظها من موارد الهلاك، وأن نُداوى جراحها قبل أن تستفحل، وأن نُحيطَها بالأمل حين تضيق بها السبل.
قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: ٢٩]، قال الإمام الرازي: « واختلفوا فى أنَّ هذا الخطابَ هل هو نهى لهم عن قتلهم أنفسهم؟ فأنكره بعضهم وقال: إن المؤمن مع إيمانه لا يجوز أن ينهى عن قتل نفسه، لأنه مُلجأٌ إلى أن لا يقتل نفسه، وذلك لأن الصارف عنه فى الدنيا قائم، وهو الألم الشديد والذم العظيم، والصارف عنه أيضا فى الآخرة قائم، وهو استحقاق العذاب العظيم، وإذا كان الصارف خالصا امتنع منه أن يفعل ذلك وإذا كان كذلك لم يكن للنهى عنه فائدة.. ويمكن أن يجاب عنه بأن المؤمن مع كونه مؤمنا بالله واليوم الآخر، قد يلحقه من الغم والأذية ما يكون القتل عليه أسهل من ذلك، ولذلك نرى كثيرا من المسلمين قد يقتلون أنفسهم بمثل السبب الذى ذكرناه، وإذا كان كذلك كان فى النهى عنه فائدة». «مفاتيح الغيب».














0 تعليق