امتن الله سبحانه وتعالى على عباده بنعمة الحياة، فهى هبة ومنحة ربانية، كما أن الحياة نعمة عظيمة ينفرد الله سبحانه وتعالى وحده بإعطائها وأخذها، فهى ليست ملكاً للبشر، بل هى وديعة يجب صيانتها لحين انتهاء عمر الإنسان، قال تعالى: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} (البقرة: 28).
وعظمت الشريعة الإسلامية الغراء من شأن النفس البشرية، وجعلت حفظها وصيانتها من أسمى مقاصدها، وحرمت الاعتداء على النفس، كما أوجبت على المسلم دفع أى خطر يهدد حياته؛ التزاماً صريحاً بقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحیما) (النساء: ٢٩).
نظير عياد: الشريعة الإسلامية حرمت إتلاف البدن وإزهاق الروح عن طريق الانتحار
قال الدكتور نظير محمد عياد، مفتى الديار المصرية، إن الشريعة الإسلامية حرمت إتلاف البدن وإزهاق الروح عن طريق الانتحار أو ما يؤدى إلى إتلافه؛ فأمرت الإنسان بالمحافظة على نفسه وجسده من كل ما يهلكه أو يسوؤه، ونهت عن أن يقتل الإنسان نفسه أو ينزل بها الأذى، وبينت أن كل إنسان وإن كان صاحب إرادة حرة فيما يتعلق بشخصه، إلا أن هذه الإرادة مقيدة بالحدود التى شرعها الله تبارك وتعالى، فقال سبحانه وتعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً) (النساء: 29).
وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من تردى من جبل فقتل نفسه، فهو فى نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سماً فقتل نفسه، فسمه فى يده يتحساه فى نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته فى يده يجأ بها فى بطنه فى نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً» أخرجه الإمامان: البخارى واللفظ له، ومسلم.
وعن ثابت بن الضحاك رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من قتل نفسه بشىء عذب به فى نار جهنم» متفق عليه.
وأوضح «عياد»، أن من الضروريات التى أمر الشرع الشريف بالمحافظة عليها والعناية بها حفظ النفس الإنسانية بما يشمل حفظ الجسد علاجاً ووقاية وترقية.
وأكد مفتى الديار أن الشرع الشريف منع الإنسان أن يقدم على إنهاء حياته بنفسه لمجرد المرض أو الألم؛ لأن ذلك يعد قتلاً للنفس، وهو منهى بنص صريح، بل فيه حرمان من مقام الشهادة.
على جمعة: الانتحار حرام شرعاً وهو جريمة الأشرار
قال الدكتور على جمعة، مفتى الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن الله سبحانه وتعالى حرم الانتحار والقتل بغير حق، كما حرم الفساد فى الأرض، وجعل النفس الإنسانية بنياناً مقدساً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإنسان بنيان الرب، ملعون من هدمه».
وأوضح «جمعة»، أن الانتحار حرام شرعاً وهو جريمة الأشرار، وفى شريعتنا نهى النبى صلى الله عليه وسلم عنه أشد النهى وقال «إن من قتل نفسه بحديدة ظل فى النار يقتل نفسه خالداً فيها»، أى يقتل نفسه والله تعالى يحيه مرة أخرى من شدة الإثم.
وأضاف المفتى الأسبق أن المنتحر استهان بالله واستهان بالروح، وكان مشايخنا يقولون: المنتحر كأنه أمسك نفسه بيده وألقاها فى وجه الله، مؤكداً أن الانتحار ليس مجرد جريمة ومصيبة، بل هو سوء أدب مع الله سبحانه وتعالى.
وأكد أنه ينبغى للإنسان المؤمن الصبر بلا تبرم، وانهيار، واعتراض، ويأس، وانتحار، فسيدنا يعقوب عليه السلام، عندما فقد ابنه سيدنا يوسف عليه السلام، قال: {فصبر جميل}، وحزن حتى ابيضت عيناه من الحزن {وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم}، ومع ذلك لم يفقد صبره.
الأزهر للفتوى: طلب الراحة فى الانتحار وهم وكبيرة من كبائر الذنوب
من جانبه قال مركز الأزهر العالمى للفتوى الإلكترونية، إن الإسلام جعل حفظ النفس مقصداً من أولى وأعلى مقاصده حتى أباح للإنسان مواقعة المحرم فى حال الاضطرار؛ ليبقى على حياته ويحفظها من الهلاك، وقد جاء الإسلام بذلك موافقاً للفطرة البشرية السوية، ومؤيداً لها، لذا كان من العجيب أن يخالف الإنسان فطرته، وينهى حياته بيده؛ ظناً منه أنه ينهى بذلك آلامه ومشكلاته، ولكن الحق على خلاف ذلك؛ فالمؤمن يعلم أن الدنيا دار ممر، وأن الآخرة هى دار الخلود والمستقر، وأن الموت هو بداية الحياة الأبدية، لا نهايتها، وأن الآخرة دار حساب وجزاء، وأن الدنيا لا تعدو أن تكون دار اختبار وافتتان ومكابدة، وهذا بلا شك يوضح دور الاعتقاد والإيمان فى الصبر على الحياة الدنيا وبلاءاتها، وتجاوز تحدياتها.
أوضح الأزهر للفتوى، أن المؤمن يرى وجود الشدائد والابتلاءات سنة حياتية حتمية، لم يخلُ منها زمان، ولم يسلم منها عبد من عباد الله سبحانه؛ بيد أنها تكون بالخير تارة، وبالشر أخرى، بالعطاء أوقاتاً، وبالحرمان أخرى، قال سبحانه: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون}. [الأنبياء: 35]
وتابع الأزهر للفتوى: ويعلم حقيقة الابتلاء الذى يحمل الشر من وجه، ويحمل الخير من وجوه؛ إذ لا وجود لشر محض، ويستطيع ذوو الألباب والبصائر أن يعددوا أوجه الخير فى كل محنة، وصدق الحق إذ قال: {لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم...} [النور: 11]، وقال سبحانه: {وعسىٰ أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسىٰ أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم ۗ والله يعلم وانتم لا تعلمون}. [البقرة: 216] فسنة الله سبحانه فى الابتلاء أن جعله اختباراً وتمحيصاً؛ ليظهر صدق إيمان المؤمنين وصبرهم وشكرهم، وليظهر الساخط عند البلاء، الجاحد عند النعماء؛ كى يتفاضل الناس ويتمايزوا، ثم يوفى كل جزاءه فى دنياه وأخراه؛ قال سبحانه: {ولنبلونكم حتىٰ نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو إخباركم}. [محمد: 31]، فإذا علم العبد هذا هدأت نفسه، واطمأن قلبه، وعلم أن كل قدر الله له خير، إن هو آمن وصدق وصبر وأحسن؛ قال سيدنا رسول الله ﷺ: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له». [أخرجه مسلم]
وبين الأزهر للفتوى، أن طلب الراحة فى الانتحار وهم، وهو كبيرة، ولا راحة فى الموت لصاحب كبيرة، وليس بعد الموت توبة أو مستعتب، والتخلص من الحياة بإزهاق الروح التى هى ملك لله سبحانه جريمة لا مبرر لها على الإطلاق، قال الله تعالى: {...وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم...} [هود: 101]، واعتداء على خلق الله، واستعجال ما قدر، لذلك توعد الله سبحانه وتعالى المنتحر بالعقاب الأليم، فقال تعالى: {...ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً. ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيراً. إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً}. (النساء: 29-31)
واختتم الأزهر للفتوى بالقول إن بيان حكم الانتحار المذكور لا يعارض النظر إليه كنتيجة لاضطراب نفسى قد يحتاج فى بعض الحالات لمعالجة طبية متخصصة، أو لمعاملة أسرية ومجتمعية واعية، فالدين يدعم العلم ولا يناقضه، ويدعو الأسرة إلى تحمل مسئولياتها إزاء تربية أبنائها وتنشئتهم تنشئة إيمانية سوية وسطية، ويعتمد الحوار الهادىء البناء كإحدى أهم أدوات وأساليب العلاج.














0 تعليق