المرض النفسي لا يعني الجنون، لكن ثقافة الصحة النفسية لا تزال غائبة عن المجتمع المصري، في الوقت الذي عجزت فيه الحكومة عن كسر الوصمة الاجتماعية التي تمنع كثيرين من طلب العلاج أو حتى الاعتراف بالإصابة بالاكتئاب أو القلق أو الوساوس. يظن كثيرون أنهم قادرون على مواجهة معاناتهم وحدهم، ويتوهمون التحمل رغم أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، من فقر وغلاء وتراجع مستوى المعيشة، تدفع بآلاف المواطنين إلى حافة الاضطراب النفسي.
وتكشف الأرقام الرسمية خطورة الوضع؛ إذ أظهر آخر مسح للصحة النفسية أجرته وزارة الصحة أن نحو ربع المصريين، أي ما يقارب 25% من السكان، يعانون أعراضًا أو اضطرابات نفسية مختلفة. وتتصدّر اضطرابات المزاج، وعلى رأسها الاكتئاب، قائمة الأكثر انتشاراً بنسبة تقارب 44% من الحالات، تليها اضطرابات تعاطي المخدرات بنسبة تتجاوز 30%، ثم اضطرابات القلق بنحو 25%.
ورغم معرفة الحكومة بهذه الأرقام، فإن تعاملها مع القضايا الاجتماعية غالباً ما يظل رهناً بدرجة اهتمام الرئاسة بها. فعندما يسلط الرئيس الضوء على قضية ما، تتسابق الوزارات لإطلاق المبادرات والتصريحات، ثم يتراجع الاهتمام تدريجياً مع انتقال البوصلة إلى ملف آخر.
ففي إطار اهتمام الرئيس بالصحة العامة، أُطلقت عدة مبادرات رئاسية كان لها أثر إيجابي واضح، أبرزها مبادرة «100 مليون صحة» التي أسهمت في القضاء على فيروس سي، إضافة إلى مبادرات للأمراض المزمنة وصحة المرأة والطفل. كما شهد عام 2024 إطلاق مبادرة «صحتك سعادة» لدعم الصحة النفسية، وشملت برامج لمكافحة الإدمان، ومسحاً للاكتئاب والقلق، ودعماً نفسياً لمرضى الأورام.
غير أن التصريحات الرسمية التي تؤكد أن الصحة النفسية في صدارة أولويات الدولة وأن العلاج النفسي متاح للجميع دون تمييز ، بدت بعيدة عن الواقع. فبعد شهور قليلة من المبادة الرئاسية وتصريحات الصحة التي تبعث على التفاؤل، صدر قرار وزير الصحة رقم 220 لسنة 2025 بشأن اللائحة المالية والإدارية لصندوق تحسين الخدمة بمستشفيات الصحة النفسية، متضمناً زيادات كبيرة في تكاليف الإقامة والفحوصات والأدوية، ما جعل العلاج النفسي عبئاً مالياً لا يقدر عليه كثير من المرضى.
النتيجة كانت عزوف آلاف المرضى الفقراء عن تلقي العلاج، وتفاقم معاناتهم في صمت، بينما تحولت شعارات «إتاحة الخدمات للجميع دون تمييز» إلى كلمات جميلة بلا أثر عملي.
إن مسئولية الحكومة لا تقتصر على إدارة الاقتصاد والسياسة فقط، بل تمتد إلى حماية الصحة النفسية للمجتمع. فوزارة الصحة مطالبة بتوفير العلاج، بينما تقع على عاتق وزارات الثقافة والإعلام والتعليم مهمة نشر الوعي وكسر وصمة المرض النفسي. والأهم أن تعمل مؤسسات الدولة بفاعلية من تلقاء نفسها، لا انتظاراً لإشارة أو توجيه.
فالرئيس قد يلفت الانتباه إلى القضايا الكبرى، لكنه لا يستطيع إدارة كل التفاصيل وحده. أما إنقاذ المجتمع من أزماته النفسية والاجتماعية، فهو مسئولية دولة كاملة، لا مبادرة عابرة ولا بياناً رسمياً.


















0 تعليق