الشرق الأوسط.. صراع يصنع الاستقرار!.. (5/7)

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

(... الاستقرار فى الشرق الأوسط لا يحتاج فقط إلى اتفاقات، بل إلى إعادة تعريف وظيفة القوة نفسها)

ـ قلنا فى الحلقة السابقة، أن السؤال ليس من يقود الإقليم، بل كيف يُدار الإقليم أصلًا، فى ظل طباع وتوازنات لا تسمح بقيادة منفردة؟
ـ وقلنا إن استقرار الشرق الأوسط ـ إن وُجد ـ فلن يكون نتاج هيمنة قوة أو أخرى، بل نتيجة توزيع الأدوار التكاملية فى إطار وحدة إقليمية بين قواه الرئيسية، تضم قوة توازن سياسى، قوة تمويل اقتصادى، قوة ردع أمنة، وقوة إدارة للممرات الاستراتيجية

ـ هنا يظهر السؤال الأهم، كيف نمنع القوة ـ أيًا كانت طبيعتها ـ من أن تتحول تلقائيًا إلى تهديد؟
بمعنى أدق.. هل يمكن بناء “قواعد لعبة استراتيجية” تجعل من امتلاك القوة عنصر استقرار، لا مقدمة لصراع جديد؟

أولًا: ماذا أعنى بقواعد اللعبة؟
ـ لا أتحدث عن معاهدات مكتوبة، ولا عن نصوص ملزمة بالمعنى القانونى، بل عن تفاهم ضمنى يحدد ما يُفعل وما لا يُفعل، دون إعلان او نصوص ملزمة.
اقصد انها قواعد غير مكتوبة، لكنها حاضرة فى الحسابات، يجب أن تُترجَم فى لحظات التوتر إلى آليات احتواء، وفى لحظات الأزمات إلى خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها مهما تصاعد الخلاف.
ـ وفى تقديرى، فهذه القواعد تقوم فى جوهرها على ثلاثة أركان:
1. أن تعرف كل قوة حدود حركتها، وسقف طموحها حيال دول الجوار.
2. أن تمتلك الأطراف قنوات وآليات تمنع الانزلاق الى حرب او صراع.
3. أن يستقر توازن ردع لا يدفع إلى الحرب ولا يسمح بها.

ثانيًا: هنا يظهر سؤال محورى جديد: 
ـ هل تسمح تركيبة الشرق الاوسط بكل عناصرها، خاصة دوله العربية ـ بمواريث الصراعات الداخلية على السلطة لدى أغلبها ـ هل تسمح بالاتفاق على نوعٍ من هذه القواعد؟

ـ أتصور أن مجازية لقاء "الغول والعنقاء" فى الأساطير الشعبية، ربما اقرب حتى من الحديث عن مثل هذا الاتفاق، ليس لأن الإقليم يفتقر إلى العقلانية فقط، بل لأنه مثقل أيضًا بموروث بينى من الصراعات الداخلية، وبنية تاريخية متراكمة لا تسمح بتجاوزها.
أولها: أن الصراعات فيه لا تُغلق، بل تظل مفتوحة، تُعاد صياغتها من جيل إلى جيل.
ثانيها: غياب الثقة بوصفه رصيدًا تاريخيًا، حيث يُنظر إلى أى اتفاق ـ إن تم ـ لا باعتباره التزامًا سياسيًا مستقرًا، بل مجرد استراحة تكتيكية، أو ترتيب مؤقت لإعادة التموضع، أكثر منه تأسيسًا لعلاقة مستقرة قابلة للاستمرار.
ثالثها: تشابك الإقليم مع القوى الكبرى، وهو ما يجعل أى قاعدة إقليمية قابلة دائمًا لإعادة التفسير وفق مصالح تلك القوى فى المقام الأول، وبما يتجاوز مصالح الإقليم نفسه.
اما رابعها: فهو طبيعة الجغرافيا الاستراتيجية، حيث تتحول الممرات الحيوية، من شرايين للاقتصاد العالمى، إلى نقاط اشتعال دائمة، تجعل أى أزمة محلية لا تبقى محلية أبدًا.

ثالثًا: هل يمكن تصور تفعيل تلك القواعد رغم غيابها؟
نظريًا، نعم، حسب تقديرى، لكن ليس كمنظومة مثالية، بل ربما كطبقات متدرجة:
1. طبقة تمنع الانفجار الكبير، عبر قنوات اتصال وخطوط حمراء واضحة.
2. طبقة تُعيد تعريف النفوذ، لا كمساحة للتوسع، بل كنطاق مصالح مشتركة يُدار بحذر.
3. طبقة تُحوّل الممرات من أدوات ضغط إلى مصالح مشتركة، لا يملك أحد تعطيلها منفردًا.
4. وأخيرًا ـ وكما أشرنا فى حلقة سابقة ـ طبقة تربط الاقتصاد بالأمن، بحيث يصبح الصدام مكلفًا للجميع، لا خيارًا لبعضهم.

رابعًا: هل هذا ممكن فعليًا؟
ـ جزءُ من الحقيقة أن بناء نظام مستقر فى الشرق الأوسط على غرار النمط الأوروبى، يبدو أنه أقرب إلى الطموح منه إلى الاحتمال، رغم أن النمط الاقليمى يملك وفرة من مقومات الاتحاد وتجانسه، أكبر بكثير مما يملكه النمط الاوروبى.
لذلك، فالإجابة الواقعية ـ ايضًا فى تقديرى ـ أن تفعيل تلك القواعد ممكن، ولو جزئيًا، لكن بشروط معقدة، منها:
1. أن يظل توازن الردع الداخلى قائمًا دون أن ينفلت.
2. أن لا تنهار دولة مركزية فتفتح الباب للفوضى.
3. أن تتراجع الحروب بالوكالة إلى حد يمكن احتواؤه.
4. أن يبقى حد أدنى من الانضباط الدولى، يمنع الانهيار، دون تدخل يحسم قواعد اللعبة وفق مصالحه.

خامسًا: إذًا، طالما أن ذلك ممكن ولو جزئيًأ، فأين تكمن العقدة الحقيقية؟
ـ فى تقديرى، لا تكمن المشكلة فقط فى غياب القواعد، بل فى أن هذا الغياب ذاته قد يخدم مصالح بعض الأطراف.
ففى بيئة مضطربة كالشرق الأوسط، لا تكون الضبابية ـ وأقصد بها غياب القواعد الواضحة وحدود الحركة ـ خللًا دائمًا، بل مساحة مناورة مقصودة، تتيح لكل طرف إعادة تفسير مواقفه، ومن ثم التحرك وفق حسابات اللحظة دون التقيد بالتزامات صارمة
فالقواعد المستقرة تعنى تحديدًا واضحًا لما يجوز وما لا يجوز، أما غيابها، فيترك المجال مفتوحًا لتبَدُل المواقف، وإعادة تشكيل التحالفات، خاصة مع الأجنبى، والتصرف وفق توازنات متغيرة.
ومن هنا، لا يصبح بناء القواعد مسألة فنية هدفها يصب فى صالح الاقليم، بقدر ما هو صراع إرادات، بين من يسعى إلى تثبيت التوازن بآليات واضحة، ومن يفضل الإبقاء على مساحات الغموض لما تمنحه له من مرونة ونفوذ.
لذلك، فإن صحَّ هذا المعنى، فقد لا يكون غياب القواعد خللًا فى النظام ذاته، بل جزءًا من طريقة عمله وإدارته الخارجية، او ربما أحد شروط بقائه، بين من يريد تثبيت الاستقرار، ومن يستفيد من تأجيله.

الشاهد..
ـ الاستقرار فى الشرق الأوسط لا يحتاج فقط إلى اتفاقات، بل إلى إعادة تعريف وظيفة القوة نفسها، من أداة للتوسع، إلى أداة لضبط حدود القوة قبل أن تتحول إلى تهديد.
وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: كيف نمنع الصراع؟ 
بل هل يمكن أن يظهر نظام إقليمى غير غربى، يفرض هذه القواعد من الداخل؟ 
أم أن الاستقرار دائمًا يحتاج مظلة قوة خارجية؟

ـ هذا ما سنحاول الاقتراب منه فى الحلقة القادمة، مع من راقت له المتابعة، فشرفنا بالقراءة، إن أراد الله تعالى وكان فى العمر بقية.
ولك يا مصر السلامة، وسلامًا يا بلادى.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق