كشفت وزارة الأوقاف المصرية عبر منصتها الرقمية الإصدار التاسع والأربعون من سلسلة زاد الأئمة والخطباء، والذي يأتي بعنوان: سعة رحمة الله باب الأمل وسبيل النجاة، ويكون الهدف منها، هو التوعية بسعة رحمة الله تعالى، وحرمة النفس الإنسانية، وبث روح الأمل عند الشدائد.
وزارة الأوقاف المصرية تطلق إصدار جديد من سلسلة زاد الأئمة والخطباء
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وسِعَتْ رحمتُه كلَّ شيء، فجعلها بابَ رجاءٍ لا يُغلق، ونورَ أملٍ لا ينطفئ في قلوب الساعين إليه، القاصدين بابه، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدنا محمدٍ، رحمةِ اللهِ المهداة إلى العالمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الغرِّ الميامين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد،
فإنَّ للنفسِ البشريةِ في الإسلامِ مكانةً سامية، ومنزلةً رفيعة، تُقدَّم حرمتُها على الأموال وسائر المتاع؛ إذ جعلها الشرعُ مقصدًا عظيمًا من مقاصد تشريعه، وصانها من كل اعتداء، فنهى عن الإضرار بها، فضلًا عن إزهاقها وإهلاكها.
وكيف لا، وقد أحاطها الله بعنايته، فجعل لكلِّ ألمٍ يعتريها دواء، ولكلِّ مصيبةٍ تنزل بها سلوى، وفتح أمامها أبوابَ الرجاء، لتبقى الروحُ معلَّقةً بالأمل، والقلبُ موصولًا برحمة الله الواسعة، فلا يَضيقُ أفقُ المؤمنِ وإن اشتدَّت به الخطوب، ولا ينطفئُ سراجُ رجائه وإن أحاطت به الظلمات؛ لأنَّه يعلمُ أنَّ وراء كلِّ عُسرٍ يُسرًا، ومع كلِّ كربٍ فرجًا، وبعد الضيق سَعة، وبعد الانكسار جبرًا، وأنَّ ربَّه أرحمُ به من نفسه فلا ييأسُ ولا يقنط، فحياته بين صبرٍ جميلٍ عند البلاء، ورجاءٍ صادقٍ في العطاء، حتى يلقى الله وقلبُه عامرٌ بالثقة، مطمئنٌّ إلى وعده، مستبشرٌ بلطفه الذي لا يخيب.
وإليك بيان ذلك مفصَّلًا:
كتب ربكم على نفسه الرحمة:
الرحمةُ صفةُ المولى تبارك وتعالى، وهي في حقِّه إحسانٌ وإفضالٌ يتجلَّى في لطفه بعباده، ورعايته لشؤونهم، وسترِه لعيوبهم، وتيسيرِه لأمورهم؛ فقد كتب ربُّنا على نفسه الرحمة، وجعلها أصلَ معاملته لخلقه، يفتح بها أبواب المغفرة، ويُوسِّع بها ميادين العفو، ويُفيض بها على القلوب سكينةً وطمأنينة.
فما من عبدٍ أقبل عليه صادقًا إلا شملته رحمته، ولا منكسِرٍ لجأ إليه إلا جبره، ولا مذنبٍ استغفره إلا غفر له، لتبقى الرحمةُ الإلهيةُ، ملاذًا آمنًا لكلِّ خائفٍ، ونورًا يهدي الحائرين إلى طريق الأمل واليقين.
قال تعالى: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: ١٢]، وقال تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة} [الأنعام: ٥٤].
قال الزمخشري: " كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أى أوجبها على ذاته في هدايتكم إلى معرفته، ونصَب الأدلة لكم على توحيده بما أنتم مقرون به من خلق السماوات والأرض " [الكشاف].
وقال البيضاوي: "كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ التزمها تفضلًا وإحسانًا، والمراد بالرحمة ما يعم الدارين ومن ذلك الهداية إلى معرفته، والعلم بتوحيده بنصب الأدلة، وإنزال الكتب والإِمهال على الكفر" [أنوار التنزيل وأسرار التأويل].
وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى، حيث قال: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي». [صحيح البخاري]
قال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني: "وقالَ الطِّيبِيُّ: فِي سَبقِ الرَّحمَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ قِسْطَ الْخَلْقِ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ قِسْطِهِمْ مِنَ الْغَضَبِ وَأَنَّهَا تَنَالُهُمْ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، وَأَنَّ الْغَضَبَ لَا يَنَالُهُمْ إِلَّا بِاسْتِحْقَاقٍ، فَالرَّحْمَةُ تَشْمَلُ الشَّخْصَ جَنِينًا وَرَضِيعًا وَفَطِيمًا وَنَاشِئًا قَبْلَ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنَ الطَّاعَةِ، وَلَا يَلْحَقُهُ الْغَضَبُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ مَا يَسْتَحِقُّ مَعَهُ ذَلِكَ".
حرمة النفس.. قدسية الحياة في ميزان السماء:
إنَّ النفسَ الإنسانيةَ في ميزانِ السماءِ أمانةٌ عظيمةٌ أودعها الله في هذا الكيان، ونفخةٌ من سرِّه، أحاطها بسياجٍ من الحرمة، وجعل الاعتداءَ عليها من أعظم الجرائم وأشدِّها وزرًا. فالحياةُ عند الله مقدَّسة، تُصان من العبث، وتُحمى من العدوان، وتُحفظ من كلِّ ما يُنقص قدرها أو يهدِّد بقاءها.
ومن هنا جاء التشريعُ الإلهيُّ حازمًا في صيانة النفس، رفيقًا في رعايتها، فنهى عن قتلها، وزجر عن إيذائها، وحرَّم ترويعها، بل جعل إحياءَها سببًا للفوز العظيم، واعتبر من أحيا نفسًا كأنما أحيا الناس جميعًا، وعلِّمنا أن نحيا بأنفسنا حياةً كريمة، وأن نحفظها من موارد الهلاك، وأن نُداوي جراحها قبل أن تستفحل، وأن نُحيطَها بالأمل حين تضيق بها السبل.
إصدارات وزارة الأوقاف المصرية
قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: ٢٩]، قال الإمام الرازي: " واختلفوا في أنَّ هذا الخطابَ هل هو نهي لهم عن قتلهم أنفسهم؟ فأنكره بعضهم وقال: إن المؤمن مع إيمانه لا يجوز أن ينهى عن قتل نفسه، لأنه مُلجأٌ إلى أن لا يقتل نفسه، وذلك لأن الصارف عنه في الدنيا قائم، وهو الألم الشديد والذم العظيم، والصارف عنه أيضا في الآخرة قائم، وهو استحقاق العذاب العظيم، وإذا كان الصارف خالصا امتنع منه أن يفعل ذلك وإذا كان كذلك لم يكن للنهي عنه فائدة، .. ويمكن أن يجاب عنه بأن المؤمن مع كونه مؤمنا بالله واليوم الآخر، قد يلحقه من الغم والأذية ما يكون القتل عليه أسهل من ذلك، ولذلك نرى كثيرا من المسلمين قد يقتلون أنفسهم بمثل السبب الذي ذكرناه، وإذا كان كذلك كان في النهي عنه فائدة". [مفاتيح الغيب].
وفي السنة النبوية، تحذير بالغ الأهمية في أن يتجرأ الإنسان على قتل نفسه، قَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِا فِى نَارِ جَهَنَّمَ» وقَالَ: «كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَدَرَنِى عَبْدِى بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ" وقال: "الَّذِى يَخْنُقُ نَفْسَهُ، يَخْنُقُهَا فِى النَّارِ، وَالَّذِى يَطْعُنُهَا، يَطْعُنُهَا فِى النَّارِ» [أخرجه البخاري].
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تمني الموت وليس مجرد الإقبال عليه، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي».
لا تقنطوا.. خطاب قرآني يعيد بناء الإنسان:
يجيء هذا النداءُ القرآنيُّ العجيبُ: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ}، لا ليؤنِّبَ المنكسرين، ولا ليُغلِقَ في وجوههم أبوابَ الرجاء، بل ليأخذَ بأيديهم من حافَّةِ اليأس إلى سَعةِ الأمل، ومن ظلماتِ الذنب إلى نورِ المغفرة، إنَّه خطابٌ يُخاطبُ الإنسانَ في أعمقِ جراحِه، ويُعيدُ ترميمَ ما تهدَّم في داخله، ويُخبره أنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى كثرةِ الذنوب بقدر ما ينظرُ إلى صدقِ الرجوع.
ثم تأتي الكلمةُ الحاسمة: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، فتقطعُ طريقَ اليأس من جذوره، وتُعلنُ أنَّ القنوطَ ليس من أخلاق المؤمنين، وأنَّ بابَ اللهِ لا يُغلَقُ في وجهِ أحد، مهما عظُم جرمه، أو اشتدَّ تقصيرُه، وهنا يتجلَّى أعظمُ معاني البناء النفسي؛ إذ يتحوَّل الشعورُ بالذنب من قوَّةٍ هادمةٍ إلى دافعٍ للإصلاح، ومن عبءٍ يُثقِل القلبَ إلى جسرٍ يعبر به العبدُ نحو التوبة.
ويبلغُ الخطابُ ذروتَه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، ليُزيلَ آخرَ ما تبقَّى من الخوفِ القاتل، ويغمرَ القلبَ بيقينٍ واسعٍ لا حدَّ له. فهي آيةٌ تُعيدُ للإنسان ثقته بربِّه، وثقتَه بنفسه، وتُعلِّمه أنَّ السقوطَ لا يعني النهاية، بل قد يكون بدايةَ طريقٍ جديدٍ أقربَ إلى الله.
ولذلك كانت هذه الآية –كما قال علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عمر– أرجى آية في القرآن [المحرر الوجيز]، وفرح بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم فرحًا عظيمًا؛ لما تحمله من بشارةٍ لكلِّ مذنبٍ، ورسالةٍ لكلِّ مكسورٍ، أنَّ الرحمةَ الإلهيةَ أوسعُ من الذنوب، وأنَّ الأملَ في الله لا ينبغي أن ينقطع أبدًا. [راجع: التفسير الوسيط للواحدي].
ومن لطائف هذه الآية ما قاله الإمام الفخر الرازي: (اعلم أن هذه الآية تدل على الرحمة من وجوه: الأول: أنه سمى المذنب بالعبد والعبودية مفسَّرة بالحاجة والذلة والمسكنة، واللائق بالرحيم الكريم إفاضة الخير والرحمة على المسكين المحتاج، الثاني: أنه تعالى أضافهم إلى نفسه بياء الإضافة فقال: "يا عِبادِيَ": وشرف الإضافة إليه يفيد الأمن من العذاب، الثالث: أنه تعالى قال: "أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ"، ومعناه: أن ضرر تلك الذنوب ما عاد إليه بل هو عائد إليهم، فيكفيهم من تلك الذنوب عود مضارها إليهم، ولا حاجة إلى إلحاق ضرر آخر بهم، الرابع: أنه قال: "لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ": نهاهم عن القنوط، فيكون هذا أمراً بالرجاء، والكريم إذا أمر بالرجاء فلا يليق به إلا الكرم، الخامس: أنه تعالى قال أولًا: "يا عِبادِيَ": وكان الأليق أن يقول: "لا تقنطوا من رحمتي" لكنه ترك هذا اللفظ، وقال: "لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ"؛ لأن قولنا الله أعظم أسماء الله وأجلها، فالرحمة المضافة إليه يجب أن تكون أعظم أنواع الرحمة والفضل، السادس: أنه لما قال: "لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" كان الواجب أن يقول: "إنه يغفر الذنوب جميعاً" ولكنه لم يقل ذلك، بل أعاد اسم الله، وقرن به لفظة "إن" المفيدة لأعظم وجوه التأكيد، وكل ذلك يدل على المبالغة في الوعد بالرحمة، السابع: أنه لو قال: "يغفر الذنوب" لكان المقصود حاصلًا لكنه أردفه باللفظ الدال على التأكيد، فقال: "جَمِيعًا"، وهذا أيضاً من المؤكدات، الثامن: أنه وصف نفسه بكونه: "غفوراً"، ولفظ الغفور يفيد المبالغة، التاسع: أنه وصف نفسه بكونه رحيمًا، والرحمة تفيد فائدة على المغفرة فكان قوله: "إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ": إشارة إلى إزالة موجبات العقاب، وقوله: "الرَّحِيمُ": إشارة إلى تحصيل موجبات الرحمة والثواب، العاشر: أن قوله: "إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ" يفيد الحصر، ومعناه: أنه لا غفور ولا رحيم إلا هو، وذلك يفيد الكمال في وصفه سبحانه بالغفران والرحمة، فهذه الوجوه العشرة مجموعة في هذه الآية، وهي بأسرها دالة على كمال الرحمة والغفران، ونسأل الله الفوز بها، والنجاة من العقاب بفضله ورحمته) [مفاتيح الغيب].
لا تيأسوا من روح الله.. الأمل في زمن الانكسار:
إنَّ اليأسَ ظلمةٌ تُثقِل الروح، وتحبسُها في دائرة الألم، أمَّا الرجاءُ فهو النورُ الذي يُعيد للإنسان توازنه، ويُوقظ فيه القدرةَ على النهوض من جديد. ومن عرف الله حقًّا، علم أنَّ أبوابَه لا تُغلَق، وأنَّ خزائنَ رحمته لا تنفد، وأنَّ ما عنده أعظمُ من كلِّ ما فُقد. لذلك حذر يعقوب عليه السلام أبناءه من أن يتملكهم اليأس، وأمرهم أن يكونوا على يقين في الله تبارك وتعالى وقدرته، قال تعالى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: ٨٧]، قال الإمام الطبري: "ولا تقنطوا من أن يروِّح الله عنا ما نحن فيه من الحزن على يوسف وأخيه بفرَجٍ من عنده، إنه لا يقنط من فرجه ورحمته ويقطع رجاءه منه إلا القوم الذين يجحدون قُدرته على ما شاءَ تكوينه" [جامع البيان باختصار].
وقال ابن عطية: "و «الرَّوح» : الرحمة، ثم جعل اليأس من رحمة الله وتفريجه من صفة الكافرين، إذ فيه إما التكذيب بالربوبية، وإما الجهل بصفات الله تعالى" [المحرر الوجيز].
الإيمان لا ينكر الألم إنما يعيد توجيهه:
الألمُ في ميزان الإيمان ليس نهايةً، بل بدايةُ تشكُّلٍ جديد، والكسورُ التي تُصيبُ النفس ليست إعلانَ هزيمة، بل قد تكونُ مواضعَ دخولِ النور، فكم من قلبٍ انكسرَ فاقترب، وكم من روحٍ تألَّمت فاهتدت، وكم من إنسانٍ ظنَّ أنَّه ضاع، فإذا به يجدُ نفسَه في طريقٍ أقربَ إلى الله.
إنَّ الإيمانَ لا يُنكِرُ الألمَ، ولا يُزيِّفه، بل يُهذِّبه ويُعيدُ توجيهه؛ فيجعلُ من الدمعِ طُهرًا، ومن الحزنِ وعيًا، ومن الانكسارِ بابًا للرجوع، لذا قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: ١٥٥ -١٥٦] قال الشيخ أبو زهرة: "والبشارة هي النصر الكامل، وذكر أن المبشَّرين هم الصابرون، فالوصف علة للحكم فكانت البشارة بالنصر بسبب الصبر؛ لأن الصبر عدة النصر، كما قال علي رضي الله عنه: كنا ننصر بالصبر والتأييد، وإن الصابرين هم الذين يضبطون أنفسهم فلا تنخلع قلوبهم بفزع، ولا يصيبهم عندما يفاجئون بما لَا يحبون؛ ولذا عرفهم الله بقوله: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [زهرة التفاسير].
وجاءتِ السُّنَّةُ النبويَّةُ مؤكِّدةً هذا المعنى العميق؛ فالألمُ فيها ليس عبثًا ولا شرًّا محضًا، بل يمكن أن يتحوَّلَ إلى خيرٍ خالصٍ متى صاغه الصبرُ وأحسن توجيهَه. فلم تُنكِر السُّنَّةُ ما يعتري الإنسانَ من وجعٍ أو ما يصيبه من ضرر، ولكنَّها انتقلت به من مجرَّد معاناةٍ إلى سُلَّمِ تزكيةٍ وارتقاء، تهذِّبُ به النفس، وتصفو به الروح.
وفي هذا المعنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمرِ المؤمن، إنَّ أمرَه كلَّه له خير؛ إن أصابته سرَّاءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاءُ صبر فكان خيرًا له»؛ لتتجلَّى بذلك حقيقةٌ جليَّة: أنَّ المؤمن لا يخسر مع الله أبدًا، بل تتحوَّل أيامُه كلُّها – سرَّاءُ كانت أو ضرَّاء – إلى ميادين خير، ما دام قلبُه معلَّقًا بالصبر والشكر، ومُوقنًا بحكمة الله ولطفه، قال القرطبي: "المؤمن هنا هو العالم بالله، الراضي بأحكامه، العامل على تصديق موعوده، وذلك أن المؤمن المذكور إما أن يبتلى بما يضره، أو بما يسره، فإن كان الأول صبر واحتسب ورضي، فحصل على خير الدنيا والآخرة وراحتهما، وإن كان الثاني، عرف نعمة الله عليه ومنته فيها، فشكرها وعمل بها، فحصل على نعيم الدنيا ونعيم الآخرة" [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم].
رسائل إلى القلوب المنهكة.. الفرج آت لا محالة:
يا صاحبَ القلبِ المُثقَل… لا يطولُ ليلٌ إلا ويعقبه فجر، ولا يشتدُّ عُسرٌ إلا وفي طيَّاته يُسرٌ يتخلَّق، يقول الله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: ٥ - ٦]، تكرارٌ يسكبُ الطمأنينة في القلوب، ويؤكِّد أنَّ الفرج ليس احتمالًا، بل وعدٌ ربانيٌّ لا يتخلَّف.
وقد فهم الصحابةُ هذا المعنى العميق، فقالوا بيقينٍ راسخ: «لن يغلب عسرٌ يُسرين»، [الحاكم عن عمر وعلي] فكانوا يرون في قلبِ الشدَّة بذورَ الانفراج، وفي ظلماتِ المحن خيوطَ النور.
وعلى هذا المعنى زكَّى النبي صلى الله عليه وسلم قلوبَ المؤمنين حين قال: «واعلم أنَّ في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأنَّ النصر مع الصبر، وأنَّ الفرج مع الكرب، وأنَّ مع العسر يُسرًا» [رواه أحمد]؛ فيحوِّلُ المعاناةَ إلى أفقٍ من الرجاء، ويجعلُ الانتظارَ عبادةً، والصبرَ طريقًا للنصر.
ولله درُّ القائل:
إِنَّ الأُمُورَ إِذَا مَا اللهُ يَسَّرَهَا *** أَتَتْكَ مِنْ حَيْثُ لا تَرْجُو وَتَحْتَسِبُ
وَكُلُّ مَا لَمْ يُقَدِّرْهُ الإِلَهُ فَمَا *** يُفِيدُ حِرْصُ الْفَتَى فِيهِ وَلا النَّصَبُ
ثِقْ بِالإِلَهِ وَلا تَرْكَنْ إِلَى أَحَدٍ *** فَاللهُ أَكْرَمُ مَنْ يُرْجَى وَيُرْتَقَبُ
فاثبُت… فإنَّ الذي ساق إليك البلاء، هو ذاته الذي يُخبِّئ لك الفرجَ، والذي أذاقك مرارةَ الكرب، هو القادر على أن يُبدِّلها حلاوةَ الجبر، وما هي إلا لحظاتُ صبرٍ صادق، حتى ترى كيف يُخرج الله من ضيقك سَعة، ومن انكسارك قوَّة، ومن دمعك نورًا يملأ قلبك حياة.
الأمل والتفاؤل في حياة الأنبياء:
قد كانت سير الصَّفوة من خلق الله، وأنبيائه المرسلين، مناراتٍ تستعِرُ بضياء الأمل في ظلام المحن، ورياضًا تفوح بنسيم التَّفاؤل حين تضيق النُّفوس بالبلاء، ولم تكن حياتهم نزهة هانئة، بل كانت لجّة من الابتلاءات، ما زادتهم إلّا صبرا جميلا، ورضا بما قسمه الجليل؛ فها هو سيّد الخلق صلى الله عليه وسلم، تصيبه الحمّى حتّى يقطر الماء من سقاءٍ فوقه تخفيفا لوهج جسده الشّريف، وحين ترقّ له القلوب داعية بكشف الضّرّ، يعلمنا أنّ الأنبياء هم الأشد ابتلاء، لتصاغ منها معاني العزيمة، وليكونوا قدوة لمن تلاهم في درب اليقين، فعَنْ فَاطِمَةَ قَالَتْ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعُودُهُ فِي نِسَاءٍ، فَإِذَا سِقَاءٌ مُعَلَّقٌ نَحْوَهُ يَقْطُرُ مَاؤُهُ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ مَا يَجِدُ مِنْ حَرِّ الْحُمَّى، قلتُ: لَوْ دَعَوْتَ اللهَ أَنْ يَكْشِفَ عَنْكَ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» [رواه أحمد، والبيهقي في "شعب الإيمان"].


















0 تعليق