الدولة والأسرة والقانون

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فتحت حادثة انتحار فتاة الإسكندرية رحمها الله حديثاً مجتمعياً مكثفاً حول مشكلات الطلاق وحقوق المرأة والطفل، عزّزها توجيه السيد الرئيس بتعديل قانون الأسرة بما يحفظ مصلحة الأطفال، وهو ما دفعني إلى جانب الفكرة التي تكونت لدي من مشاركتي أكثر مرة في إنهاء مشكلات أسرية، كان أكثر ما يلفت النظر فيها هي الاقتناع التام لكل طرفٍ من طرفي المشكلة (الزوج والزوجة) بأنه المحق والطرف الآخر هو المخطئ، وهو اقتناع كان يصل إلى درجة اليقين إلى حد أن كل طرف كان يقسم بأغلظ الأيمان على صدق روايته وكذب رواية الطرف الآخر، وهو ما خلق عندي يقيناً بأنه لا يمكن الحكم على أي شئ برواية طرف واحد، وأكد لي كذلك أن أسباب كثير من المشكلات-وليس كلها- نسبية ترتبط بتصورات الأشخاص وشعورهم تجاه بعضهم الآخر، ولهذا آثرت أن أنقل بعض الاقتراحات التي بنيتها على تجاربي المتواضعة سابقاً والتي أوجزها في النقاط التالية:

  • التعامل القانوني وحده يزيد الاحتقان:

عادة ما يذهب أطراف المشكلة الأسرية (الزوج أو الزوجة) إلى القضاء عندما يصعب التفاهم فيما بينهم، إما لعدم الوصول إلى اتفاق، أو سيطرة مشاعر الكراهية التي تمنع حتى التفاهم بينهم، وفي كلا الحالتين يكون هناك قدر من الكراهية بنسب مختلفة، لكن هذا القدر من الكراهية يتضاعف عند وقوف الطرفين خصوماً أمام محكمة تقضي بينهما، فيخرج أحدهما وهو يشعر بانتصار الآخر عليه، ومن ثم فإن ساحات المحاكم من خلال تعاملها مع الأوراق والإثباتات فإنها وإن كانت قادرة على انتزاع الحق وإحالته للجهات المعنية بتنفيذه، لكن التعامل القانوني الصارم ربما أنجح في الفصل في مشكلات عالقة سوف تنتهي بصدور الحكم، لكن مشكلات الأسرة مختلفة، لأن العلاقة بين الطرفين لا تنتهي بصدور الحكم ولكنها تستمر طالما بينهما أطفال يحتاجون إلى الحقوق القانونية والإنسانية في آن واحدٍ معاً، ولذا فالتعامل القانوني فقط مع مشكلات الأسرة شأنها كشأن أي نزاع آخر يزيد حالة الاحتقان ويولد مشاعر سلبية، من الطبيعي أن تتولد لدى الإنسان خاصة أنه يلقي اللوم على الطرف الآخر في تحميله مصاريف التقاضي وصعوبة الإجراءات والضغط النفسي الكبير جراء الجلسات والانتظار حتى صدور الأحكام، ومن ثم تزداد الكراهية التي تولّد لدى الكثير شعوراً بالرغبة في الانتقام  تترجم تنعكس في محاولات الأزواج التهرب من مسئولياتهم بعد الطلاق، أو حرمان الزوجة لزوجها من رؤية أطفاله، وحتى إذا ما فكر أحد الطرفين في إثبات إخلال الطرف الآخر بالتزامه فعليه أن يرفع قضية أخرى ومن ثم تكرار المعاناة وزيادة الكراهية، التي تنعكس بالتالي على الأطفال، ضحايا تلك المعاناة، ولهذا لابد من إعادة التفكير في قوانين تراعي إلى جانب الحقوق القانونية، ضرورة وجود علاقات إنسانية بين الأزواج المنفصلين وأبنائهم، والتأكيد على سهولة الإجراءات، فانتظار المرأة شهوراً أو سنوات للحصول على حقها وكذلك الرجل في رؤية أبنائه، إنما يزيد الضغط على أطراف المشكلة وينعكس على علاقتهما وأطفالهما.

  • البعد الإنساني:

يمكن للدولة الجمع بين قوة القانون والبعد الإنساني في قضايا الأسرة من خلال تبني نموذج اللامركزية في محاكم الأسرة، بحيث لا تكون محاكم مركزية، ولكن تبنى محاكم للأسرة في مسافات متوسطة بين الأحياء المختلفة، تشبه في تشكيلها وإدارتها نمط المجالس العرفية، على أن يتولاها قضاة ناهزوا الخمسين من العمر، تكون لأحكامهم قوة القانون في النهاية، ولكن يتبعون نموذج المحاكم العرفية في تتبع القضية حتى حلها من خلال الجمع بين الزوج والزوجة والسماع لهم، وإتاحة الفرصة ليقولوا كل ما لديهم، وعليهم في الوقت نفسه أن يأخذوا بالمستندات والإثباتات القانونية، ولكن يفردوا مساحة أكبر للحديث والإقناع، ويحددوا جلسات محددة لبحث القضايا واتخاذ الأحكام بشأنها، وأن يتم إصدار الحكم على مسمع ومرأى من الزوج والزوجة ويتضمن تبيين الأسباب المقنعة لذلك الحكم. ومحاكم الأسرة وإن كانت تبين أسباب الحكم في الحيثيات، لكن الزوج والزوجة يعرفان الحكم من الأوراق ولا يكون للحيثيات المرفقة بعد ذلك ما للحديث المباشر من قوة. فالإنسان عدو ما يُجبر عليه، ومن ثم فاشتراك الطرفين في تقرير الحكم الذي له قوة القانون في النهاية، سوف يقلل مساحة الكراهية التي تنشأ عقب النزاع أمام المحاكم بالطرق التقليدية، ولابد أن تشرف هذه المحاكم العرفية على تنفيذ أحكامها، ويكون الوصول إليها أسهل من المحاكم التقليدية في حالة وجود أي تقصير من الأطراف، بحيث يرغم على تنفيذ ما ألزَم به بمجرد تقديم مذكرة بالأمر وبعد التحقق، دون الحاجة إلى الإجراءات التي ترهق من عليه الحق ومن له على السواء، فلابد من التعامل مع مشاكل الأزواج باعتبارها مشكلة اجتماعية قانونية وليست قانونية فقط، وكذلك التوجيه إلى المنظمات المعنية بإعلاء مصلحة الأسرة جميعاً، لأن تضرر أحد الأطراف ينعكس بالتبعية على الأطراف الأخرى، ومن بين هذه المنظمات المجلس القومي للمرأة التي من الأولى أن تكون المجلس القومي للأسرة، فكثير من تجارب الزواج محكومٌ عليها بالفشل، لكن الكثير أيضاً كان يمكن النجاح فيها ببعض الدعم وليس بالمزايدات وإذكاء جو المنافسة والصراع.

  • لا يمكن إرضاء الناس جميعاً:

بالطبع هناك العديد من الأشخاص رجالاً ونساءً الذين سيجب عليهم تنفيذ الأحكام الصادرة دون رضا مهما كانت آلية صدورها، ولكن الغالبية العظمى من أسوياء النفوس سترضيهم هذه الآلية الأقل جهداً وأكثر بعداً إنسانياً، وبالتالي نكون قد نجحنا في إصلاح البعد الإنساني لدى البعض من الناس الذين سوف يعكسون ذلك على علاقتهم بأطفالهم.

  • قوانين أكثر تحديداً:

يمكن للدولة تقليل لجوء الأزواج والزوجات إلى المحاكم من خلال إصدار قوانين تنظيمية أكثر تحديداً، وليكن منها على سبيل المثال مشكلة النفقة التي يلجأ البعض بها إلى المحكمة إما طمعاً في نفقة أكبر للزوجة، أو نفقة أقل من جانب الزوج، وعليه يمكن إصدار قوانين منظمة للنفقة تحتسب بنسبة مئوية من راتب الأب، وليكن على سبيل المثال للطفل الواحد 25% من الدخل، للطفلين 50% وهكذا، ومن ثم لن يضطر الكثير للجوء للمحكمة طمعاً في نفقة مختلفة، وسيكون اللجوء وقتها فقط في حالة الامتناع عن دفع النفقة المحددة، وإن كان هناك العديد من الأزواج من الصعب تحديد دخولهم، فهناك العديد أيضاً يسهل تحديد دخولهم، ومنهم على سبيل المثال موظفو الحكومة وبعض موظفي القطاع الخاص، وسوف يعفى هؤلاء من مشقة وكراهية الخصام أمام المحكمة، وكذلك تحديد إجراءات وعدد ساعات محددة للرؤية وغيرها من المسائل المتعلقة بالأطفال والعلاقة بين الأسر المنفصلة،

إن النزاعات الأسرية ليست كالنزاعات الأخرى التي تنتهي ببت القضاء فيها، لكن أحكام القضاء تنظم لعلاقة قادمة بين طرفيها، وإذا أردنا تقليل آثارها السلبية على جميع أطرافها (الزوج- الزوجة- الأطفال) فلابد من التعامل معها باعتبارها مشكلة اجتماعية قانونية وليست قانونية فقط.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق