صندوق «سليجمان»

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الإثنين 13/أبريل/2026 - 09:27 م 4/13/2026 9:27:43 PM

ما نشاهده ونسمع عنه من حوادث انتحار سراً وجهراً سواء فى أماكن عامة أو تسجيل بث مباشر لتلك اللحظات المميتة، ما هى إلا صرخة مرعبة من ضحايا «العجز المكتسب»، ونتيجة وباء اليأس الذى عشش فى وجدان هؤلاء وسيطر عليهم، ومع تزايد تلك الحالات وانتشارها أصبحنا أمام مؤشراً خطراً لا يمكن السكوت عنه أو تجاهله والاكتفاء «بمصمصة» الشفاه تعاطفاً مع الضحايا.
فى نهاية ستينيات القرن الماضى قام عالم النفس البارز «د. مارتن سليجمان Martin Seligman »، بتصميم سلسلة من التجارب حول نظرية العجز المكتسب، وإثبات أن الإكتئاب استجابة نتعلمها عندما نجد أنفسنا نواجه ظروفاً صعبة وضغوطاً قاسية لا يمكن تحملها أو الفرار منها، ولإثبات نظريته قام «سليجمان» بإجراء تجربة على عينة من الكلاب، قسمها إلى ثلاث مجموعات، الأولى كانت تتلقى صدمات كهربائية محددة من حيث العدد والشدة والنمط داخل صندوق معدنى، وكان لديها إمكانية الهروب من هذه الصدمات إلى مكان آمن، أما الثانية فقد تعرضت لنفس تلك الصدمات مع إضافة عجزها عن التحكم أو إمكانية الفرار، كان«سليجمان» يُدرب الكلاب فى تلك المجموعة على اكتساب اليأس والعجز وفقدان السيطرة على البيئة التى اعتادها من قبل، أما المجموعة الثالثة فكانت مجموعة ضابطة لا تتعرض لأى صدمات كهربائية.
وجد «سليجمان» بعد يوم كامل من إجراء التجربة أن كلاً من المجموعة الأولى والثالثة استطاعت الخروج من الصندوق بشكل فعَّال إلى المكان الآمن، أما المجموعة الثانية التى كان يوثقها فى القسم المُكهرب بحيث لا تستطيع الهروب إلى القسم الآمن، ففشلت فى تجنب الصدمات والخروج من الصندوق، وأصيبت بحالة من العجز واليأس، تلك المجموعة التى أطلق عليها سليجمان «المجموعات البائسة»، أدركت أن الصلة بين السلوك الملائم للهروب من الخطر لم يعد مجدياً فاستسلمت لمزيد من الخطر والصدمات دون محاولة الهروب أو تجنب الخطر.
خلال التجربة لاحظ «سليجمان» أن الكلاب فى المجموعة الثانية استجابت فى البداية بالنباح، واتسم سلوكها بالانزعاج والحركة الشديدة وأظهرت علامات الأنين والألم، وهى أعراض مشابهة للمعاناة التى تصيب المرضى فى حالات القلق المرضى والخوف، ومع استمرار التهديد والعجز عن الهروب كانت الكلاب تنتقل من حالة القلق إلى حالة وصفها المُجرب بالاستسلام واليأس، فكانت تتداعى فى الصندوق مستسلمة للتهديد ولأى عدد إضافى من الصدمات الكهربائية، ولم تحاول الهروب إلى الجانب الآمن من الصندوق حتى بعد فك قيودها، لقد اكتسبت حالة من اليأس والخمود والاستسلام للقدر المؤلم، والعجز عن الهروب حتى ولو كانت مصادره متاحة.
طبق «سليجمان» النموذج السابق على الإنسان، بحيث يتعرض الأفراد إلى أحداث مُنَفِرة كالضوضاء المرتفعة والصدمات الكهربائية أو المشكلات الصعبة؛ فكانت النتيجة مشابهة لما حدث فى التجربة الأولى، وعلى الرغم من المآخذ التى أخذت على التجارب المعملية لاختلاف استجابات الأفراد ومشاعرهم وأفكارهم حينما يواجهون الصعاب نفسها فى بيئتهم الطبيعية عن استجاباتهم حينما يواجهون نفس الصعاب فى بيئة المعمل، فقد أثبتت التجربة أن «العجز أو اليأس المكتسب» هو من خصائص الكائنات الحية سواء كانوا بشراً أم حيوانات.
يقول الدكتور عبدالستار إبراهيم فى كتابه «الاكتئاب.. اضطراب العصر الحديث فهمه وأساليب علاجه 1998» أن «سليجمان» لم يكتف بالوقوف عند مستوى وصف الظروف التى تؤدى بنا إلى حالة من اليأس، بل قدم بعض الملاحظات عن العلاج من تلك الحالة «العجز واليأس المكتسب»، فقد كان العلاج بالنسبة لكلابه هو ألا يكتفى بفك قيودها وفتح المجال أمامها للهروب لبيئة آمنة بل كان يعلمها ويُدربها على تكوين استجابة معارضة لليأس المكتسب، أى الأمل المكتسب، ولتدريبها على اكتساب الأمل كان يجرها عنوة من البيئة المهددة إلى الجزء الآمن من الصندوق، بعدها استعادت «الكلاب» الأمل فى الهروب والتحكم فى مصيرها عندما تكرر ذلك الإجراء عدداً من المرات.
الخلاصة: أن كل إنسان يحاول إنهاء حياته، ما هو إلا ضحية من ضحايا العجز واليأس المكتسب، أرواح فقدت الطاقة لتحمل أعباء وظروف ألمت بها، أرواح وقفت وحيدة على حافة الانهيار دون سند أو معين، أو بارقة أمل فى النجاة، إنسان أدرك أن أفعاله ليس لها تأثير أو جدوى، فبات مدركاً ولو خطئاً أن الوضع أصبح خارج السيطرة، فكان الاستسلام للعجز واليأس هو الأمل الوحيد للنجاة من تلك الآلام.
فى النهاية: الضغوط الحياتية صعبة، وأوشك البعض أن يقع فريسة سهلة للعجز واليأس، وعلينا مساعدة هؤلاء بقدر ما نستطيع، وإنقاذهم من تلك الدائرة المفزعة، وعلى الذين يمتلكون موهبة ممارسة الضغوط على الآخرين، أن يتخلوا ولو قليلاً عن تلك الممارسات المميتة.
أخيراً.. يقول«مارتن سليجمان» مؤسس علم النفس الإيجابي: «التفاؤل يولد الأمل.. والأمل يطلق العنان للأحلام.. والأحلام تحدد الأهداف.. والحماس يتبع ذلك.

[email protected]

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق