كبسولة فلسفية
الأحد 12/أبريل/2026 - 08:17 م 4/12/2026 8:17:44 PM
هناك لحظة في حياة الإنسان لا تشبه أي سقوط مرّ به من قبل؛ لحظة ينهار فيها شيء كان يظنه ثابتًا، فيتجمّد داخله الزمن لثوانٍ طويلة، كأن الحياة نفسها تتوقّف لتقول له، صدّقني يا صديقي القارئ، هذا ليس نهايتك، هذا بداية أخرى لم تكن مستعدًا لها بعد. في تلك اللحظة التي تبدو مؤلمة حدّ الاختناق، يبدأ شيء خفيّ بالتحرّك داخلك، شيء لم يكن ليسمع صوته لولا الخراب الأول، وكأن الألم نفسه يوقظك من غفلة طويلة.
نحن لا نولد مرّة واحدة، يا عزيزي، بل نولد كلما فقدنا شيئًا كنّا نظن أننا لا نستطيع العيش بدونه. فالسقوط، مهما كان موجعًا، يكشف المساحات التي خبّأناها لسنوات، ويعرّي أجزاء منّا لم نجرؤ يومًا على النظر إليها. والغريب، كما ستشعر وأنت تقرأ، أنّ ما نسمّيه انهيارًا هو في عمقه انكشاف، انكشاف لذاتنا الأصلية، تلك التي لا تظهر إلا حين يختفي الضجيج من حولها ويهدأ كل شيء إلا صوتك الداخلي.
وفي الفوضى التي تسبق أي تحوّل، تتدخّل الفلسفة لتمنحك زاوية مختلفة للرؤية، وكأنها تهمس لك بهدوء، يا صديقي، أن الإنسان لا يتغيّر حين يقرّر، بل حين يُجبَر. حين يجد نفسه واقفًا فوق رماد لا يمكن جمعه مرة أخرى. هنا يبدأ السؤال الحقيقي، وربما سألته لنفسك يومًا، ماذا يبقى مني بعد كل ما ذهب؟ وهذا السؤال وحده كفيل بأن يفتح بوابة ولادة جديدة، بوابة لا يدخلها إلا من تخلّى أولًا عن كل ما لم يعد يشبهه.
الفقد، يا عزيزي، يجعلك ترى الطريق الذي كنت تهرب منه. يجعل صوتك الداخلي أعلى من أصوات الناس. يمنحك شجاعة لم تكن تمتلكها وأنت في منطقة الأمان. ولأن الأشياء التي سقطت كانت تشكّل جزءًا من هويتك، فأنت مضطر الآن لبناء نفسك من جديد، لكن هذه المرة على أسسك أنت، لا على ما ورثته، ولا على ما أراده الآخرون لك.
ومع كل محاولة للنهوض، تكتشف شيئًا لم يكن واضحًا من قبل، أن السقوط لم يكن عقابًا، بل دعوة. وأن الخراب لم يكن نهاية، بل مساحة فارغة تتيح لك أن تعيد ترتيب كل شيء بطريقة أكثر صدقًا. ومع الوقت تدرك، يا صديقي القارئ، أنك لم تفقد نفسك كما ظننت، بل فقدت النسخة التي كانت تُنهكك دون أن تدري.
والإنسان الذي عاد واقفًا بعد الألم ليس هو نفسه الذي انهار، بل شخص أكثر عمقًا، أشجع، وأكثر قدرة على رؤية الحياة كما هي، لا كما تمنّتها مخاوفه. وفي اللحظة التي ترفع فيها رأسك من الرماد، ستعرف الحقيقة التي لا يقولها لك أحد، أنت لم تعد كما كنت، ولن تعود، يا عزيزي، وهذا بالضبط ما يجعل الولادة الجديدة ممكنة.
****************************
كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط
[email protected]


















0 تعليق