أب وجد يعتديان على طفلة حتى الموت.. وعم يغتال براءة ابنتى شقيقيه
التغير المفاجئ فى السلوك واضطرابات النوم أبرز علامات تعرض الطفل للخطر
خبراء: حماية الأطفال ضرورة لصون المجتمع
قانونا الطفل والعقوبات يحميان الصغار.. والتطبيق أهم من تشديد العقوبة
لم تصرخ الطفلة فقط من الألم، بل من الخذلان، خذلان بيت كان يفترض أن يحميها، وأذرع كان يجب أن تحتويها. داخل جدران منزل يفترض أنه الأكثر أماناً، تحولت حياتها إلى دائرة مغلقة من الخوف والانتهاك.
فى إحدى قرى محافظة المنوفية، انتهت حكاية طفلة صغيرة بشكل مأساوى، بعد تعرضها لانتهاكات متكررة داخل منزلها، على يد من يفترض أنهم مصدر الأمان، لم تكن جريمة لحظة، بل سلسلة من الاعتداءات التى تصاعدت فى صمت، حتى انتهت بجريمة قتل صادمة، وسط محاولات لإخفاء الحقيقة وكأن شيئاً لم يكن.
هذه الواقعة لم تكن الوحيدة، ففى حادثة أخرى لا تقل قسوة، تحولت ثقة طفلتين فى أقرب الناس إليهما إلى كابوس، بعدما تعرضتا لاعتداءات متكررة على يد عمهما، مستغلاً صغر سنهما وعجزهما عن المقاومة أو الإفصاح. ظلتا فترة طويلة أسيرتى الخوف، قبل أن تتكشف الحقيقة، لتفضح حجم الانتهاك الذى قد يتعرض له الطفل داخل أسرته.
وقائع متشابهة تتكرر بأشكال مختلفة، لكنها تحمل نفس الملامح وهى طفل ضعيف، وذئب قريب وصمت يسبق الكارثة.
تكشف هذه الوقائع عن تحول مقلق فى طبيعة العنف ضد الأطفال، حيث لم يعد الاعتداء مقتصراً على الغرباء، بل أصبح فى كثير من الأحيان صادراً عن أقرب الأشخاص للطفل.
البيت، الذى يفترض أن يكون الحصن الأول للحماية، قد يتحول فى بعض الحالات إلى بيئة طاردة وغير آمنة، خاصة فى ظل غياب الرقابة، وانتشار مفاهيم تربوية خاطئة، والتعامل مع العنف باعتباره وسيلة للتربية.
وفى ظل هذا الواقع، يجد الطفل نفسه محاصراً داخل دائرة مغلقة، لا يستطيع الهروب، ولا يملك القدرة على الشكوى، ويخشى ألا يصدقه أحد.
العزلة والجهل بوابة العنف.
علقت الدكتورة نادية جمال، استشارى الصحة النفسية والعلاقات الأسرية، على هذه الجرائم قائلة إن بعض الأسر التى تقع فيها جرائم الاعتداء على الأطفال تكون منغلقة على نفسها، ما يخلق بيئة معزولة تمنح الجانى شعوراً زائفاً بالأمان بعيداً عن أى رقابة أو مساءلة.
وأوضحت أن انتشار مفاهيم تربوية خاطئة، مثل اعتبار الضرب وسيلة طبيعية للتربية، يسهم فى تفاقم هذه الانتهاكات، حيث يفقد الطفل إحساسه بالأمان داخل منزله، وهو المكان الذى يفترض أن يكون مصدر حمايته.
وأضافت أن الضغوط النفسية والاجتماعية قد تدفع بعض الأفراد إلى تفريغ غضبهم وسلوكهم العدوانى فى الأطفال، خاصة فى ظل غياب الوعى بأساليب التربية السليمة.
وأشارت إلى وجود علامات تحذيرية قد تكشف تعرض الطفل للعنف، منها التغير المفاجئ فى السلوك، كتحول الطفل النشيط إلى الانطواء أو العكس، إلى جانب اضطرابات النوم مثل الاستيقاظ المفزع أو التبول اللاإرادى، والخوف المبالغ فيه من اللمس، أو ردود الفعل الحادة عند ذكر اسم شخص معين.
كما لفتت إلى أن محاولة الطفل إخفاء جسده بارتداء ملابس طويلة حتى فى الطقس الحار، أو تراجع مستواه الدراسى بشكل مفاجئ، أو ظهور علامات الضعف والهزال، كلها مؤشرات تستدعى الانتباه والتدخل السريع.
وأكدت أن بعض مرتكبى هذه الجرائم يعانون اضطرابات نفسية وسلوكية، قد تدفعهم لاستهداف الأطفال، مشيرة إلى أن غياب الرقابة داخل الأسرة يعزز استمرار هذه الانتهاكات.
وشددت على أهمية توعية الأطفال بحقوقهم، وتعليمهم حدود أجسادهم، وعدم منح الثقة المطلقة لأى شخص مهما كانت صلة قرابته.
جرائم تخالف الفطرة والدين

من جانبه قال الشيخ على المطيعى، أحد علماء الأزهر الشريف، إن الجرائم الأسرية ضد الأطفال تعكس خللاً عميقاً فى المجتمع، وتخالف الفطرة التى خلق الله عليها جميع الكائنات.
وأوضح أنه حتى الحيوانات تحرص على حماية صغارها، وهو ما يبرز مدى شذوذ هذه الجرائم عن الطبيعة الإنسانية.
وأكد أن هذه الأفعال لا تتعارض فقط مع تعاليم الدين، بل تتنافى أيضاً مع أبسط معانى الرحمة والإنسانية.
وأشار إلى أن غياب الوازع الدينى، إلى جانب الجهل والفقر والضغوط النفسية، من أبرز أسباب هذه الظاهرة، لافتاً إلى أن تعاطى المخدرات يمثل عاملاً خطيراً قد يدفع البعض لارتكاب مثل هذه الجرائم.
وشدد على ضرورة تفعيل دور الخطاب الدينى فى التوعية، من خلال التأكيد على قيم الرحمة وحسن معاملة الأطفال، مستشهداً بسيرة النبى ﷺ التى تؤكد الرفق بالصغار، وقوله «ليس منا من لم يرحم صغيرنا».
تطبيق القانون
ورغم وجود فوانين تحمى الأطفال وقوانين للعقوبات تشدد العقوبة على الأشخاص الذين يعرضون الأطفال للخطر خاصة إذا كانوا من المسئولين عن حماية الطفل ورعايته، إلا أن هذه القوانين لم تمنع الكوارث التى يتعرض لها الأطفال، وتعليقاً على ذلك قالت الدكتورة إلهام المهدى، المحامية، إن الجرائم المرتكبة بحق الأطفال لم تعد حالات استثنائية، بل باتت ظاهرة مقلقة تتنوع بين الإهمال والعنف الأسرى، وصولاً إلى الاعتداءات الجنسية، وغالباً ما يكون مرتكبوها من الدائرة الأقرب للطفل، ممن يفترض أنهم مصدر الأمان والحماية.
وأشارت إلى أن ما يتم تداوله مؤخراً يكشف حجم الكارثة، مستشهدة بوقائع صادمة، منها اعتداء أب على طفلته الصغيرة وشاركه الجد هذا الاعتداء، وانتهت الواقعة بمأساة وفاة الطفلة، فضلاً عن واقعة اعتداء عم على بنات شقيقه، وهى نماذج تعكس خللاً عميقاً داخل بعض الأسر.
وأوضحت أن قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 والمعدل بالقانون رقم 126 لسنة 2008 يمثل الركيزة الأساسية لحماية الأطفال فى مصر، حيث يجرم كل أشكال العنف البدنى والنفسى والجنسى، ويلزم الدولة بتوفير بيئة آمنة، وتنص المادة (7) على حماية الطفل من أى إساءة، فيما عرفت المادة (96) حالات تعرض الطفل للخطر، ومن بينها العنف الأسرى والإهمال، بما يتيح التدخل لحمايته.
كما تم إنشاء لجان لحماية الطفولة على مستوى المحافظات، إلى جانب خط نجدة الطفل (16000) لتلقى البلاغات والتعامل معها.
وأضافت أن قانون العقوبات شدد العقوبات على جرائم الاعتداء على الأطفال، خاصة إذا كان الجانى من الأصول أو من له سلطة على الطفل، حيث تصل العقوبات فى بعض الحالات إلى السجن المؤبد أو الإعدام. ويعاقب على هتك عرض طفل بالسجن المشدد، وتزداد العقوبة إذا اقترنت بظروف مشددة كاستخدام القوة أو التهديد أو استغلال السلطة، بما يعكس خطورة هذه الجرائم وحرص المشرع على مواجهتها بحزم.
ورغم ذلك، ترى الدكتورة إلهام أن هذه العقوبات، على شدتها، لا تحقق الردع الكافى فى ظل وجود ثغرات قانونية وعملية، من أبرزها صعوبة إثبات الجرائم، خاصة مع تأخر الإبلاغ، ما يؤدى إلى ضياع الأدلة، بالإضافة إلى إعادة تكييف بعض الوقائع من اغتصاب إلى هتك عرض، لعدم اكتمال أركان الإثبات.
كما أشارت إلى وجود إشكالية فى حالة الجانى الحدث، حيث لا يسمح القانون بتوقيع عقوبات مشددة عليه، ما يؤدى إلى أحكام مخففة حتى فى الجرائم الجسيمة، بالإضافة إلى ضعف بعض آليات حماية الضحايا والشهود من الضغوط الاجتماعية التى قد تدفعهم للتنازل عن القضايا، إلى جانب التحديات المرتبطة بالجرائم الإلكترونية والاستدراج عبر الإنترنت، والتى تتطلب تحديثاً مستمراً للتشريعات لمواكبة تطور وسائل الجريمة.
وأكدت أن القانون المصرى يتيح التدخل الفورى لحماية الطفل بمجرد تلقى البلاغ، سواء من خلال خط نجدة الطفل أو الجهات المختصة، حيث يتم التحرك السريع لنقل الطفل من بيئة الخطر، وتوفير الرعاية الطبية والنفسية، وإجراء بحث اجتماعى تمهيداً لاتخاذ قرارات قضائية عاجلة، مثل نقل الحضانة مؤقتاً أو إيداع الطفل فى رعاية بديلة.
كما شددت على أن القانون يسمح بالتدخل حتى دون بلاغ من الأسرة، إذ يحق لأى شخص الإبلاغ عن حالات العنف، كما تملك لجان حماية الطفولة صلاحية التحرك من تلقاء نفسها إذا تبين وجود خطر على الطفل، وفى الحالات العاجلة، يمكن الاستعانة بالجهات الأمنية لنقل الطفل فوراً إلى مكان آمن.
وأوضحت أن التشريعات تكفل أيضاً حماية الطفل أثناء التحقيقات، من خلال ضمان السرية التامة، وعدم تحميله أى أعباء قانونية، والاستماع إليه فى بيئة آمنة بعيداً عن الترهيب، مع حظر أى ضغوط جسدية أو نفسية عليه، بما يضمن الحفاظ على حقوقه وسلامته.


















0 تعليق