الأحد 12/أبريل/2026 - 07:35 م 4/12/2026 7:35:15 PM
فى كتابه صراع الحضارات بشر صموئيل هنتنغتون بأن الصراعات المقبلة بعد الحرب الباردة لن تكون سياسية أو اقتصادية، بل «حضارية»؛ غرب فى مواجهة «الآخرين»، وحدود ثقافية تتحول إلى خطوط نار. غير أن إدوارد سعيد تصدى مبكراً لهذا التصور، ورأى فيه تبسيطاً خطيراً للعالم، وتحويلاً للتنوع الإنسانى إلى معسكرات متقابلة، وصياغة فكرية تصلح لتبرير الهيمنة أكثر مما تصلح لفهم الواقع.
اليوم، ومع عودة دونالد ترامب إلى لغة التهديد والوعيد ضد إيران، بل التلميح إلى محو الحضارة الفارسية، و"إعادة إيران إلى العصر الحجرى" تبدو نبوءة سعيد أكثر حضوراً من أى وقت مضى. فالمشكلة ليست فى إيران وحدها، ولا فى خلاف سياسى مع نظام قائم، بل فى الذهنية التى تتوهم أن القصف يمكن أن يمحو حضارة، وأن التفوق العسكرى يملك سلطة إلغاء التاريخ.
هنا يتجلى الفارق الجوهرى بين هنتنغتون وسعيد. الأول نظر إلى العالم بوصفه جزراً مغلقة تتصادم بطبيعتها، والثانى رأى الحضارات كيانات متداخلة، متحاورة، هجينة، لا تعيش فى عزلة ولا تختزل فى شعارات. فالحضارة الفارسية، مثل العربية، والهندية، والصينية، والأوروبية، ليست ثكنة عسكرية ولا نظاماً سياسياً عابراً؛ إنها تراكم قرون من اللغة، والفن، والفلسفة، والذاكرة، والإنجاز البشرى. ومن يتحدث عن «محو إيران» يتحدث بجهل فادح: هل يمحو الفردوسى؟ هل يمحو حافظ الشيرازى؟ هل يمحو أصفهان؟ هل يمحو أثر فارس فى الطب والرياضيات والتصوف والعمارة؟ وهل استطاع المغول، أو الاستعمار، أو الحروب الحديثة، أن تمحوا أمة ذات جذور عميقة؟
إن هذا الخطاب لا يكشف قوة، بل هشاشة أخلاقية وفقراً معرفياً. إنه منطق فاشى قديم: تحويل شعب كامل إلى هدف مشروع، وتسويق العنف بوصفه خلاصاً، وإيهام الجماهير بأن التاريخ يعاد تشكيله بالصواريخ. وهى اللغة ذاتها التى عرفها القرن العشرون فى أكثر صوره ظلاماً، حين قدمت الإبادة بوصفها ضرورة، والعدوان بوصفه أمناً، والكراهية بوصفها دفاعاً عن الحضارة.
إدوارد سعيد حذر من هذا تحديداً: من الكلمات التى تسبق المدافع، ومن التصنيفات التى تسبق القتل، ومن تحويل «نحن» و«هم» إلى عقيدة سياسية. فحين يختزل شعب فى صورة عدو حضارى، يصبح كل شىء مباحاً ضده.
والحقيقة الأوضح أن الحضارات لا تمحى بالقوة، بل قد تجرح وتنهك وتستنزف، ثم تعود. الذى يسقط غالباً ليس الحضارة المستهدفة، بل صورة المعتدى نفسه. روما لم تمحُ اليونان، والاستعمار لم يمحُ الهند، والحروب لم تمح الصين.
من هنا، الواجب الأخلاقى اليوم ليس الاصطفاف مع هذا النظام أو ذاك، بل الاصطفاف ضد لغة الإلغاء ذاتها. ضد فكرة أن القوة تمنح حق الشطب. ضد عودة الفاشية بربطة عنق وخطاب انتخابى. وضد هذا الشر الذى يتسلل إلى العالم متقمصاً هيئة الزعامة.
إن البشرية لا تحتاج إلى من يهدد بإزالة الحضارات، بل إلى من يتعلم كيف يعيش معها.


















0 تعليق