»اﻟﻮﻓﺪ« ﺗﻔﻚ ﺷﻔﺮة اﻟﺼﻨﺪوق اﻷﺳﻮد ﻟﺒﻨﻚ اﻷﻫﺪاف اﻟﺴﻴﺒﺮاﻧﻴﺔ اﻟﺼﻬﻴﻮ ـ أﻣﺮﻳﻜﻴﺔ (2-2)

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

أمريكا الشريك التقنى الأول فى «حرب الخوارزميات»

 

إسرائيل تستخدم مراقبة جماعية للوجوه في غزة عبر شبكة «الذئاب الملونة» 

 

القوانين الدولية عاجزة أمام تغول الكود.. وواشنطن وتل أبيب ترفضان التوقيع على اتفاقيات ملزمة

 

«قنابل وهمية الدقة» وأنظمة عسكرية «ذكية» لا تعرف الرحمة

 

خوارزميات القتل الإسرائيلية تستخدم «سيرفرات» ديل وكاميرات «سونى» 

 

تطبيقات سلمية بمهام قتالية (GPT-4) و(Claude) فى غرف عمليات الاغتيال

 

اغتيال قيادي فلسطيني برسالة من هاتف زوجته

 

الوحدة 8200 تخزن ملايين المكالمات فى «مايكروسوفت آزور»

 

سمير فرج: إيران أعدمت 80 جاسوسًا لإسرائيل

 

أحمد مهران: التجسس عبر الشركات التكنولوجية يصعب اكتشافه

 

فلسطين ولبنان مختبرا العالم لثلاث طبقات من الذكاء الاصطناعى القتالى

ثلاث مراحل لاختراق إيران وتنفيذ حملة الاغتيالات  من Palantir إلى التشويش السيبرانى

 

 

رسالة تعزية من البنتاجون بعد مقتل عبد الرحمن الراوى: «الخوارزمية أخطأت»

 

 

كشفت «الوفد» ــ فى الحلقة الأولى من هذا التحقيق ـ عن بنية القتل الخوارزمية الإسرائيلية المدعومة أمريكيًا، حيث تحول المحلل البشرى إلى مجرد «ختم مطاطى» يضغط «موافقة» فى 20 ثانية، وأقر ضباط إسرائيليون بقبول مقتل 15 مدنيًا مقابل جندى منخفض الرتبة. 

كما رصدنا كيف حول «مشروع نيمبوس» السحابى فلسطين إلى «مختبر مراقبة» بتمويل مباشر من البنتاجون، وكيف أصبحت شركات جوجل وأمازون ومايكروسوفت شركاء فى «الاستعمار الرقمى».

فى الحلقة الثانىة من التحقيق الاستقصائي، ننتقل «من يُقتل» إلى «بماذا يُقتل» و«ما هو الرد»؟، بالاعتماد على تحليل 25 مقطع فيديو لغارات جوية (تم التحقق منها جغرافيًا ومكانيًا)، ووثائق ميزانية البنتاجون المسربة، وبيانات الأقمار الصناعية الصادرة عن UNOSAT، وحوارات حصرية مع الخبراء العسكرين الثلاثة – اللواء سمير فرج، واللواء نضال أبوزيد، واللواء أحمد زغلول مهران – نفضح «القنبلة الذكية» GBU-39 التى تحول «الدقة» إلى «تدمير شامل» بسبب طبيعة المبانى فى غزة، ونكشف عن «أسراب الدرونز الذكية» التى تعمل بدون قيادة مركزية وتشكل تحديًا غير مسبوق للدفاعات التقليدية. كما نرصد استراتيجية «الدفاع الفسيفسائى» الإيرانى كرد على «حرب الخوارزميات»، ونطرح السؤال الأخلاقى والقانونى الأصعب: من يحاسب عندما تقتل الخوارزمية؟ هل المبرمج فى كاليفورنيا أم القائد فى تل أبيب؟

 

 القنبلة الذكية GBU-39: دقة وهمية

 تروج الولايات المتحدة لإسرائيل بالقنبلة الذكية GBU-39 (SDB)، التى توصف بأنها «دقيقة الإصابة» وتقلل الأضرار الجانبية. لكن تحليل «الوفد» لعدد من الفيديوهات لغارات جوية (تم التحقق منها جغرافيًا ومكانيًا) وإحصائيات منظمة AIRWARS يكشف نتائج مخالفة للرواية الرسمية، فهى واحدة من أكثر الأسلحة إثارة للجدل فى الترسانة العسكرية الحديثة، حيث يتم تسويقها كأداة «جراحية» للحد من الخسائر البشرية، لكن الواقع الميدانى يطرح تساؤلات معقدة حول تعريف «الدقة» و«الأضرار الجانبية». فالجيش الإسرائيلى يستخدم هذه القنبلة «الدقيقة» فى سيناريوهات «القصف المتتالى» على مبانٍ سكنية متعددة الطوابق، والتحليل الفيزيائى لشظايا الانفجار يثبت أن «الدقة» هنا تعنى إصابة الغرفة المحددة، لكن الهيكل الخرسانى للمبنى ينهار بالكامل بسبب ضعف البنية التحتية للمبانى فى غزة، مما يحول «دقة التقنية» إلى «تدمير شامل». والأكثر خطورة أن تقارير الكونجرس تظهر أن الإدارة الأمريكية وافقت على تصدير هذه الأسلحة مع علمها المسبق بالطبيعة المعمارية لقطاع غزة، أى أنهم صمموا «قنبلة ذكية» لبيئة مادية لا وجود لها (مبانٍ متباعدة)، وألقوا بها فى بيئة مكتظة (غزة). وكشفت تقارير إعلامية (تقرير CNN وWashington Post) أن الاستخبارات الأمريكية كانت تعلم أن نسبة كبيرة من القنابل المستخدمة فى غزة هى قنابل غير موجهة أو تستخدم بطرق تسبب أضرارًا جانبية واسعة، مما يجعلها شريكا لإسرائيل فى هذا التدمير الشامل.

وفقًا لتحليل صور الأقمار الصناعية من أكتوبر 2023 حتى أكتوبر 2025 لقطاع غزة، تبين تضرر أكثر من 80% من جميع المبانى فى قطاع غزة، وهذا يؤكد التقارير الصادرة عن UNOSAT، التى أوضحت أن مجموع الهياكل المتضررة وصل إلى 198,273 هيكلًا متضررًا، وتضرر ما يقدر بـ320,622 وحدة سكنية بما يعادل 81% من غزة، وفقًا لرصد حركة السكان، تم تهجير 379,851 شخصًا فى سبتمبر، وفى أكتوبر، تم تهجير أكثر من 0.5 مليون شخص من محافظة غزة إلى المحافظات الجنوبية، ولا يزال الآلاف مفقودين فى غزة، ويعتقد أن العديد منهم مدفونون تحت الأنقاض، ويعد انتشال وتحديد هوية الموتى صعبا للغاية بسبب استمرار تدمير المبانى، والحظر الإسرائيلى المستمر على دخول معدات الاسترداد المتخصصة، وأدوات التعرف الجنائى مثل الحمض النووى ومجموعات البصمات. 

 

 التغلغل الاستخبارى والطرف الثالث

لم تعد إسرائيل بحاجة لعملاء على الأرض فى كل زاوية، فقد عوضت التكنولوجيا ذلك، حيث يروى الدكتور وليد عبد الحى فى دراسته لمركز «الزيتونة» واقعة صادمة لاغتيال قيادى لم يكن يحمل هاتفًا محمولًا؛ حيث جرى اعتراض رسالة من هاتف زوجته تحدد موعد زيارته، وتمت تصفيته بناءً على تلك المعلومة الرقمية. 

ويشير تقرير «تيك إنكوايري» (Tech Inquiry) إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى تعتمد بشكل شبه كامل (بنسبة 98% فى بعض الحالات) على عقود مع المؤسسات العسكرية والاستخبارية. وفى إسرائيل، وفقًا لتحقيق «مركز الزيتونة»، قامت الوحدة 8200 بإنشاء بيئة معزولة داخل منصة «مايكروسوفت آزور» لتخزين الملايين من تسجيلات المكالمات للفلسطينيين، مما حول الأراضى المحتلة إلى «مختبر مراقبة» لتطوير تقنيات تباع لاحقًا للدول الأخرى.

يؤكد اللواء سمير فرج لـ«الوفد» هذا التحول الجذرى فى أساليب التخابر، مشيرًا إلى أن «وسائل التخابر وأساليبها تغيرت بالكامل، سواء فى تجنيد العملاء أو فى بناء بنوك المعلومات. أصبحت أجهزة المخابرات تمتلك بنوك معلومات هائلة، وقد أنشأت إسرائيل بنك معلومات ضخمًا عن عناصر حزب الله فى جنوب لبنان، يضم الأسماء والترددات والتسلسلات والمواقع الجغرافية بدقة متناهية».

 ويقول اللواء أحمد زغلول مهران لـ«الوفد»: شهدت أساليب التخابر تحولًا كبيرًا فى السنوات الأخيرة، إذ لم تعد تعتمد فقط على العملاء التقليديين، بل أصبحت تستخدم أطرافًا وسيطة مثل الشركات والمؤسسات التكنولوجية، تستغل هذه الكيانات فى جمع البيانات وتحليلها بشكل غير مباشر، مما يصعب عملية الاكتشاف والمواجهة، وأصبح الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا والبيانات يمكن من التأثير على الدول عبر اختراق منظوماتها المعلوماتية، وليس فقط عبر الوصول إلى معلومات سرية محددة».

ويشير اللواء سمير فرج لـ«الوفد» إلى أن العمليات النوعية مثل اغتيال إسماعيل هنية وفخرى زاده نفذت ببراعة استخباراتية وتقنية عالية. وكدليل على ضراوة الاختراقات الداخلية، مشيرا إلى أن إيران أعدمت نحو 80 شخصًا بتهمة التجسس لصالح إسرائيل عقب المواجهات الأخيرة، مشددًا على أن السنوات القادمة ستشهد تطورات مذهلة فى هذا الصدد بناءً على دروس الحروب الراهنة.

 

فلسطين ولبنان مختبر مفتوح الذكاء الاصطناعى

بينما نفت الشركات التقنية استخدام هذه الأدوات لأغراض عسكرية، كشف تحقيق «الوفد» من خلال الوثائق المسربة عن وجود واجهات برمجة (APIs) تربط أنظمة الاستخبارات الإسرائيلية مباشرة بخوادم «جوجل كلاود» واستخدام تكنولوجيا «التعرف على المشاعر وتحليل الصور» التابعة لجوجل فى بوابات الحدود ونقاط التفتيش، ونقل هذه البيانات لتغذية «بنك الأهداف». أمريكا هنا ليست مجرد مزود سلاح، بل هى «العقل المدبر» والمعالج اللوجستى الذى يسمح بإدارة حرب بهذا الحجم وبهذه السرعة.

وهذا ما ظهر فى خريطة المعهد الدولى للدراسات الاستراتيجية (IISS) التى تحلل بيانيًا كيفية دمج الذكاء الاصطناعى فى العمليات العسكرية فى منطقة الشرق الأوسط، وتكشف بوضوح عن تحول المنطقة إلى ساحة اختبار عالمية لهذه التقنيات، وتوزع الخريطة العلم الأمريكى فوق دول مثل سوريا والعراق واليمن مع رمز «القيادة والسيطرة»، وهذا يدعم فرضية أن الولايات المتحدة لا توفر السلاح فحسب، بل تدير البنية التحتية المعلوماتية والربط السحابى الذى يسمح بمعالجة البيانات الضخمة القادمة من الميدان.

وتظهر الخريطة أن فلسطين (قطاع غزة والضفة الغربية) ولبنان هى المناطق الوحيدة التى تشهد تشغيلًا كاملًا لثلاثة أنواع من أنظمة الذكاء الاصطناعى فى حالة قتالية فعلية. وتثبت خريطة IISS أن إسرائيل تمتلك الحزمة المتكاملة (الاستخبارات + السيطرة + الأسلحة الفتاكة) المدعومة بالذكاء الاصطناعى، بينما تعمل الولايات المتحدة كمظلة تقنية للقيادة والسيطرة فى عدة جبهات، مما يخلق شبكة متصلة من «الموت الرقمى».

ومن أبرز الأسلحة الذاتية الاستخدام «أسراب الدرونز الذكية» التى تنسق هجماتها دون تدخل بشرى، مما يشكل تحديًا غير مسبوق للدفاعات التقليدية. 

ويصف اللواء سمير فرج هذه المعضلة قائلًا: «ظهرت فى الوقت الراهن أجهزة جديدة تعمل بالليزر، تقوم بالتشويش على الطائرات المسيرة، والتشويش على أسلاك التحكم، وأنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية، ودخلت تقنيات كثيرة جدًا فى الفترة المقبلة، وأن التعامل مع هذه الأسراب لم يعد مجرد قرار عسكرى، بل تحول إلى حسابات دقيقة تتعلق بعدد الطائرات المسيرة الداخلة فى الأسراب، وحجمها، وسرعتها، إذ تتراوح بين مائة ومائتين وثلاثمائة طائرة فى الهجمة الواحدة.

يذهب اللواء أحمد زغلول مهران إلى أبعد من ذلك، قائلًا: «تمثل أسراب الطائرات بدون طيار الذكية تحديًا كبيرًا، لأنها تعمل بشكل جماعى وتتكيف مع الظروف دون قيادة مركزية واضحة. تتطلب مواجهة هذا التهديد أنظمة متطورة تشمل التشويش الإلكترونى واسع النطاق، واستخدام أسلحة دقيقة وسريعة الاستجابة، إلى جانب تطوير أنظمة ذكاء اصطناعى قادرة على تحليل سلوك هذه الأسراب». 

ويخلص مهران إلى أن طبيعة الصراع بدأت تتحول إلى مواجهة بين خوارزميات، حيث يتحدد التفوق بقدرة كل طرف على تطوير أنظمة أكثر سرعة ودقة فى اتخاذ القرار.

وفى تحليله لنجاح إسرائيل فى اختراق العمق الإيرانى، كشف اللواء سمير فرج أن منظومة الدفاع الجوى والرادارات الإيرانية «قديمة» وتعود لعهد الشاه، حيث ركزت طهران استثماراتها العسكرية على الصواريخ الباليستية والمسيرات والبرنامج النووى، وأهملت تطوير قواتها الجوية، وأشار إلى أن الضربة الأخيرة بدأت بـ«هجمة سيبرانية» استهدفت مراكز القيادة والسيطرة والرادارات الإيرانية، مما أدى إلى شل حركتها تمامًا قبل دخول الطائرات لتنفيذ مهامها.

 

احذر برامج CHAT

وفى مفاجأة، كشفها «الوفد» من خلال تحليل خريطة IISS أن إسرائيل لا تقتصر الشراكة على البرمجيات، بل تمتد للعتاد الصلب (Hardware)؛ حيث توفر شركات مثل Dell, Cisco, Oracle السيرفرات المادية التى تحتضن هذه «الخوارزميات القاتلة» داخل مراكز البيانات الإسرائيلية، كما وجدنا أن شبكة «الذئاب» (الذئب الأحمر، الأزرق، الأبيض) المرتبطة بنظام المراقبة الجماعى للوجوه فى غزة، وهى تتلقى دعمًا برمجيًا وبنية تحتية من شركات كاميرات عالمية (مثل Hikvision وSony).

والمفاجأة الأكبر، كشف التحليل التقنى لشبكة (التكنو-عسكرية) الإسرائيلية عن تورط غير مسبوق لعمالقة التكنولوجيا فى سيليكون فالى، الخريطة التقنية تؤكد أن أنظمة القتل الجماعى مثل (لافندر) و(حبسورا) ليست إلا واجهات برمجية تعمل فوق محركات عملاقة توفرها جوجل، أمازون، وميكروسوفت. الأخطر هو ما كشفته الخريطة عن دخول نماذج الذكاء الاصطناعى التوليدى مثل (GPT-4) و(Claude) فى دورة العمل الاستخباراتى الاسرائيلى لوحدة (ممرام)، مما يعنى أن 'الرصاصة الرقمية' التى تقتل فى غزة، تم شحذها وتدريبها داخل خوادم الشركات التى يستخدمها العالم يوميًا للأغراض السلمية».

أظهرت التقارير الأخيرة أن الهجوم على إيران اعتمد على «ضغط القرار» (Decision Compression) فى ثلاث مراحل؛ المرحلة الأولى: خوارزميات Palantir قامت بتحليل ثغرات الدفاع الجوى الإيرانى وتوقيتات الرادارات. 

المرحلة الثانية: استخدام نماذج لغوية ضخمة (LLMs) لتلخيص آلاف البرقيات الاستخباراتية المشفرة فى ثوانٍ لاختيار «توقيت الصفر». المرحلة الثالثة: التشويش السيبرانى المدعوم بالذكاء الاصطناعى لتعطيل أنظمة الاتصالات الإيرانية لحظة الهجوم.

وأوضح اللواء فرج أن المفهوم التقليدى لـ«بنك الأهداف» قد تغير بشكل دراماتيكى؛ حيث باتت طائرة مسيرة (درون) لا تتعدى تكلفتها بضعة آلاف من الدولارات قادرة على تدمير أهداف استراتيجية كانت تتطلب سابقًا طائرات نفاثة تصل قيمتها إلى 90 مليون دولار. وأضاف أن هذا التطور دفع الدول للبحث عن وسائل دفاعية غير تقليدية؛ فبدلًا من استخدام صواريخ باهظة الثمن (تصل تكلفة الواحد منها إلى مليونى دولار) لإسقاط مسيرات رخيصة، اتجهت الأنظار نحو تقنيات الليزر، والتشويش على نظام تحديد المواقع (GPS)، والهجمات السبرانية لـ«تعمية» الطائرات المهاجمة، وكل ذلك يدار عبر الذكاء الاصطناعى.

 

مَن يحاسب عندما تقتل الخوارزمية؟

تطرح هذه التكنولوجيا تساؤلات وجودية حول القانون الدولى الإنسانى، حيث تآكلت الرقابة البشرية لتصبح مجرد «ختم موافقة». ففى مايو 2021، تفاخرت إسرائيل بأنها خاضت «أول حرب ذكاء اصطناعى» لها باستخدام التعلم الآلى والحوسبة المتقدمة فى الحرب التى استمرت 11 يومًا وذلك فى عملية التى اطلقت عليها «حارس الأسوار». واليوم، وفرت الحروب الأخيرة فى المنطقة لإسرائيل وأمريكا فرصة غير مسبوقة لنشر منصة إنشاء أهداف بالذكاء الاصطناعى تسمى «الإنجيل»، مما سرع بشكل كبير «خط إنتاج قاتل» من الأهداف. 

وقال مسؤول أمنى سابق فى البيت الأبيض مطلع على استخدام الجيش الأمريكى للأنظمة الذاتية: «الدول الأخرى ستتابع وتتعلم، حرب إسرائيل وحماس ستكون لحظة مهمة إذا كان الجيش الإسرائيلى يستخدم الذكاء الاصطناعى بشكل كبير لاتخاذ قرارات استهداف ذات عواقب حياة أو موت» وفقا لما ورد فى IISS.

أثارت هذه التجربة جدلًا واسعًا حول «أخلاقيات الحرب الخوارزمية»، خاصة مع التقارير التى أشارت إلى أن سرعة توليد الأهداف آليًا قد تتجاوز قدرة البشر على التحقق منها، مما ساهم فى ارتفاع أعداد الضحايا من المدنيين فى النزاعات اللاحقة التى تطورت فيها هذه الأدوات بشكل أكبر. 

وبينما يصرخ العالم بضرورة وجود إطار قانونى للأسلحة ذاتية التشغيل (AWS)، ترفض الولايات المتحدة وإسرائيل التوقيع على اتفاقيات ملزمة. 

ووفقًا لدراسة الباحثة «ماريا جيفورجيان» حول تحديات القانون الدولى الإنسانى، تبرر وزارة الدفاع الأمريكية موقفها بالحاجة للحفاظ على «الميزة التنافسية فى ساحة المعركة»، وتحذر جيفورجيان من أن الذكاء الاصطناعى الحالى (Narrow AI) يفتقر إلى «القدرة على الحكم السياقى»؛ فهو لا يستطيع التمييز بين مُزارع يحفر أرضه ومقاتل يزرع عبوة، كما لا يمكنه التعرف على «علامات الاستلام» البشرية المعقدة. ومع ذلك، يتم تسريع استخدام هذه الأنظمة لتقليل عدد الجنود البشريين، مما يخلق «فجوة مسؤولية» مرعبة فى حال وقوع مجازر خوارزمية.

قضايا وشهادات دولية

قتل الطالب عبد الرحمن الراوى البالغ من العمر 20 عامًا فى غارة جوية أمريكية فى العراق فى فبراير 2024. فى ذلك الوقت، قال مسؤول أمريكى رفيع إن الضربات استخدمت استهدافات بالذكاء الاصطناعى، واعترف الجيش لاحقًا بأن الراوى قتل عن غير قصد. 

تأتى هذه الفضائح وسط نقاش مكثف حول الذكاء الاصطناعى فى الحروب، مع تقارير تفيد بأن الذكاء الاصطناعى استخدم فى الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، ومن قبل الجيش الأمريكى فى غارة يناير على فنزويلا. فى مواجهة كبيرة مع البنتاجون، أعلنت شركة أنثروبيك المصنعة لـ«كلود AI» مؤخرًا رفضها إزالة الضمانات التى تمنع استخدامها فى المراقبة والأسلحة المستقلة بالكامل.

تحذر الأكاديمية لوسى سوشمان فى بحثها (2020) من أن هذه الأنظمة تخلق «وهمًا بالدقة» يخفى وراءه تدميرًا عشوائيًا. 

ويتساءل الخبير القانونى نويل شاركى (2023): من يحاسب عند وقوع مجزرة خوارزمية؟ هل هو المبرمج فى كاليفورنيا أم القائد فى تل أبيب؟ إن استخدام الذكاء الاصطناعى بات يوفر «درعًا قانونيًا» للتنصل من المسؤولية الجنائية الدولية. فالنتيجة، كما شهدت المصادر، هى أن آلاف الفلسطينيين – معظمهم من النساء والأطفال أو الأشخاص الذين لم يشاركوا فى القتال – قد تمت إبادتهم بواسطة الغارات الجوية الإسرائيلية، وخاصة خلال الأسابيع الأولى من الحرب، بسبب قرارات برنامج الذكاء الاصطناعى.

من خلال نظام تقاطع البيانات هذا، تستخلص «الوفد» إلى نتائج تكسر «الصندوق الأسود»: أولًا، أمريكا ليست مجرد ممول، بل هى الشريك التقنى فى «حرب الخوارزميات»، مقدمة البنية التحتية السحابية (نيمبوس) والبيانات التدريبية لذكاء إسرائيل الاصطناعى. ثانيًا، تم تسويق الأسلحة الذكية على أنها «رادعة إنسانية»، لكن تطبيقها الميدانى أثبت أنها تسرع عملية القتل وتضخم حجم الدمار عبر ما يسمى بـ«الخطأ النظامى المقبول». ثالثًا، القوانين الدولية عاجزة عن مساءلة «خوارزمية»، وهذه هى الثغرة التى تستغلها إسرائيل وأمريكا لارتكاب جرائم حرب بلا محاكم، مستبدلين القاضى بالكود البرمجى.

وفى نهاية التحقيق يتضح أن الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب حول الأسلحة الذكية تهدف إلى خلق «واقع جديد» يكون فيه القتل الرقمى أرخص وأسرع وأقل مساءلة قانونية، محولة الشرق الأوسط إلى ساحة اختبار مفتوحة للموت الرقمى.

انتهى استقصاء «الوفد» إلى ثلاث حقائق صادمة تفكك شيفرة «الصندوق الأسود» للحرب الحالية؛ أولاها أن واشنطن لم تعد مجرد ممول عسكرى تقليدى، بل تحولت إلى (شريك تقنى عضوى) يوفر العقل المدبر للحرب عبر بنية (نيمبوس) السحابية وبيانات التدريب الضخمة التى تغذى خوارزميات الاغتيال. 

والحقيقة الثانية تكمن فى كذبة «دقة الأسلحة الذكية»؛ حيث أثبت الواقع أن الذكاء الاصطناعى استخدم لتسريع وتيرة القتل وتضخيم نطاق الدمار، عبر تمرير ما يعرف بـ(الخطأ النظامى المقبول)، وهو المصطلح البرمجى الذى منح الاحتلال ضوءًا أخضر لإبادة عائلات بأكملها مقابل «شبه» هدف منخفض الرتبة.

وأخيرًا، كشف التحقيق عن عجز تام للقوانين الدولية أمام تغول الكود؛ حيث أدى استبدال منصة القضاء بالمعادلة البرمجية إلى منح التحالف (الأمريكى-الإسرائيلى) غطاءً تقنيًا لارتكاب جرائم حرب بلا محاسبة، إذ لا يمكن استجواب خوارزمية، ولا يمكن وضع «آلة قاتلة» خلف قضبان المحكمة، وتهربهما من توقيع أى اتفاقيات تحيد من الأسلحة ذاتية التشغيل.

وتظل الأسئلة مفتوحة فى عالم أصبح فيه الذكاء الاصطناعى سلاحًا، هل استعدت دول المنطقة لهذا النوع من الحروب؟ هل طورت أنظمة دفاع قادرة على مواجهة «أسراب الدرونز الذكية» و«صراع الخوارزميات»؟ هل تصمد البنية التحتية الرقمية العربية أمام اختراقات لا تعرف الحدود؟ تنتظر هذه الأسئلة إجاباتها، فى معركة لم تعد تنتهى عند حدود الجغرافيا، بل تمتد إلى أعماق الخوادم والبيانات والذكاء الاصطناعى داخل كل بيت وفى يد كل طفل يحمل هاتفه المحمول، وهل سنعود مرة أخرى إلى عصور الظلام بعدما تقضى حروب الذكاء الاصطناعى على الحضارات والابتكارات؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق