قيل دائمًا أن الحقيقة هى الضحية الأولى للحرب.. أى حرب.. وليست الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران استثناء فى هذا الطريق.
فكل فريق من الأطراف الثلاثة يعلن على استحياء، أو صراحةً، أنه منتصر فيها، وأقرب دليل على ذلك هو المقال الذى نشره محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيرانى الأسبق، فى مجلية فورين أفيرز الأمريكية فى الثانى من هذا الشهر.
ظريف يتخذ موقفًا وسطيًا فى الحرب، فيدعو السلطات الإيرانية إلى الموافقة على وقف الحرب فى مقابل تقييد البرنامج النووى، وتخفيف العقوبات، وفتح مضيق هرمز، ثم وهذا هو الأهم، إعلان النصر!.. وهكذا، فإن اللافت فى المقال كله هو حكاية إعلان النصر هذه!.. وبالطبع، فإن الطرفين الآخرين يزعمان الشىء نفسه، ويتحدثان عن النصر الذى تحقق لكل منهما، وبغير أن يكشف كل طرف منهما عما يؤيد وجهة نظره فى حديثه عن النصر، أو حتى يقول أى نصر بالضبط يقصد؟
إن الطرف المنتصر فى هذه الحرب.. وفى كل حرب.. هو الطرف الذى يحقق أهدافه من وراء دخولها، وهو الذى تزيد مكاسبه فيها على خسائره.. وهذا ما لا نعرفه عن وضعية كل طرف، ولا يقوله هذا الطرف أو ذاك من الأطراف الثلاثة.
والفيصل فى الموضوع كله أن يعلن كل طرف مكاسبه وخسائره، وأن يكشف صراحةً عما تحقق له، ثم يكشف كذلك عما لم يتحقق فى قائمة الأهداف، وعندها يمكن الحديث عن طرف خاسر هنا، وعن طرف رابح هناك.. وما عدا ذلك يظل نوعًا من الدعاية السياسية، أو البروباجندا، أو التغطية على حقيقة الوضع الذى يجده كل طرف على أرضه.
وإذا كان جواد ظريف يدعو سلطات بلاده إلى إعلان النصر، فالغالب أنه يخاطب الرأى العام الداخلى فى إيران. والغالب أيضًا أن الفترة التى تولى فيها وزارة الخارجية من ٢٠١٣ إلى ٢٠٢١ قد علمته الواقعية السياسية، فهذا ما تجده فى مقالته المنشورة، اللهم إلا حكاية إعلان النصر فهى قصة أخرى.
هو يفعل ذلك لعل الرأى العام فى بلاده يتقبل وقف الحرب، ولعل هذا الرأى العام يرى مبررًا لوقف القتال، فلا يثور ولا يغضب.. ولكن الحقيقة لن تغيب طويلًا على كل حال، وسوف تتكشف ذات يوم، ولن يجدى معها تغطية ولا إخفاء، وسيأتى يوم ليس بعيدًا نعرف فيه كَمْ خسر ذاك الطرف، وكَمْ فى المقابل كسب الطرف الآخر، وكذلك الطرف الثالث.. لن يطول غياب الحقيقة، حتى ولو كانت هى الضحية الأولى فى أثناء الحرب.
















0 تعليق