ربما توقع كثيرون استجابة الرئيس دونالد ترامب لدعوات التهدئة ووقف الحرب ولو مؤقتًا، خاصة بعد تصريحاته الجريئة والصادمة التى تحدث فيها عن هدم حضارة كاملة، وهو وصف لا يتناسب مع طبيعة ما يحدث ولا مع حجم المخاطر التى يمكن أن تترتب عليه. ولأن العالم اعتاد تحليل شخصية ترامب السياسية القائمة على المفاجأة ورفع سقف التصريحات، جاء قرار وقف التصعيد متوافقًا مع توقعات الأغلبية التى رأت أن تلك التصريحات كانت جزءًا من استراتيجية ضغط أكثر منها تمهيدًا لحرب طويلة.
ربما كشف إعلان الهدنة عن أن التصعيد الأمريكى كان فى جوهره وسيلة ضغط لفرض شروط تفاوضية. فالتهديدات الكبيرة استخدمت لدفع إيران إلى طاولة التفاوض، وهو ما يعيد تعريف مسار الحرب باعتبارها أداة سياسية يجرى تفعيلها أو إيقافها وفق الحسابات الاستراتيجية. فى هذا السياق، تبدو الحرب أحيانًا جزءًا من لعبة التوازنات الدولية، حيث تتحول القوة العسكرية إلى وسيلة لانتزاع مكاسب سياسية.
ولم يكن إعلان التهدئة خاليًا من الارتباك داخل المعسكر نفسه. فقد كانت إسرائيل تميل إلى استمرار الضغط العسكرى على إيران، بينما جاء القرار الأمريكى ليوقف هذا المسار فجأة، ما أبرز مرة أخرى أن القرار النهائى فى مثل هذه الصراعات يظل فى يد أمريكا. هذا التباين فى المواقف يعكس طبيعة التحالفات التى تتداخل فيها المصالح، حيث قد تتباين الرؤى بين الشركاء رغم وحدة الهدف الظاهر.
أما إيران فقد دخلت هذه المرحلة وهى تحتفظ بعدد من أوراق القوة. فموافقتها على فتح مضيق هرمز مقابل هدنة مؤقتة تشير إلى قدرتها على استخدام موقعها الجغرافى وتأثيرها فى أسواق الطاقة العالمية كأداة تفاوض فعالة. فالمضيق يعد أحد أهم الشرايين الحيوية لتجارة النفط العالمية، وأى توتر فيه ينعكس مباشرة على الاقتصاد الدولى.
ومن هنا يمكن القول إن ما جرى يمثل على الأرجح توقفًا مؤقتًا مرتبطًا بشروط قابلة للتغيير. فمسار المفاوضات خلال المرحلة المقبلة سيحدد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية سياسية أوسع، أم أن هذه الهدنة ليست سوى استراحة قصيرة قبل عودة التصعيد من جديد.
فى الوقت ذاته يشكك كثيرون فى عهود ترامب، إذ يرى منتقدوه أنه كثيرًا ما يغير مواقفه بصورة مفاجئة، ما دفع بعض الأصوات إلى تحذير إيران من الإفراط فى الثقة. وطرحت تساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد تستخدم الهدنة لإعادة ترتيب أوراقها وربما التفكير فى سيناريوهات أخرى، من بينها احتمالات التصعيد أو حتى الغزو البرى. كما تساءل البعض: هل ينطبق قرار وقف الحرب بالكامل على إسرائيل؟ الواقع يشير إلى أن إسرائيل جزء من هذا الاتفاق، إذ إن استمرار المواجهة منفردة سيضعها فى مواجهة مباشرة مع إيران، وهو ما قد يعرضها لمزيد من القصف والدمار.
وفى تقديرى أن الحرب ربما تقف عند هذا الحد، على الأقل فى هذه المرحلة، نتيجة الضغوط التى تعرضت لها الولايات المتحدة وإسرائيل. ففى الداخل الأمريكى شهدت مدن عديدة مظاهرات رافضة للتصعيد العسكرى، كما تصاعدت التحركات السياسية المعارضة لسياسات ترامب. أما داخل إسرائيل فقد سادت حالة من القلق الشعبى والمظاهرات، خاصة بعد تعرض منظومات الدفاع مثل القبة الحديدية لاختبارات صعبة، وهو ما أثر فى الصورة الذهنية التى رُسمت سابقًا عن قدرتها المطلقة على الحماية.
ومن المرجح أن يؤدى هذا الوضع إلى إرجاء المخطط وفكرة إعادة رسم موازين القوى فى المنطقة، بعد أن ظهرت معوقات حالت دون تنفيذ بعض المخططات. وربما كان من أهم هذه المعوقات عدم انجرار دول الخليج إلى مواجهة مباشرة مع إيران، وعدم الوقوع فى فخ التصعيد الشامل الذى كان يمكن أن يحول الصراع إلى حرب إقليمية واسعة.
كما لا يخفى على أحد الدور الذى لعبته مصر فى محاولة تهدئة الأوضاع ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة. فقد تبنت القاهرة موقفًا قائمًا على الدعوة إلى ضبط النفس وتغليب الحلول الدبلوماسية، وهو موقف سهم فى تهدئة التوترات وفتح المجال أمام المساعى السياسية.
لقد كشفت هذه الأزمة عن عدد من الحقائق المهمة، ربما أبرزها ثقل الدور المصرى فى المنطقة، وأهمية السياسة المتوازنة القائمة على الحكمة والرزانة والدبلوماسية الهادئة. فالتعامل المتزن مع تطورات الأحداث ساهم فى الحفاظ على قدر من الاستقرار، ومنح مصر مزيدًا من الثقة والحضور فى معادلات المنطقة.
وفى النهاية، يبقى الأمل أن تسود لغة السلام على منطق الحروب، فالعالم لم يعد يحتمل مزيدًا من الصراعات. إن الأرض تتسع للجميع، والتاريخ يثبت أن الحروب مهما طال أمدها تنتهى فى النهاية إلى طاولة المفاوضات.
تحيا مصر… تحيا مصر… تحيا مصر.
















0 تعليق