حتى لحظة كتابة هذه السطور – صباح الأربعاء – لا يمكن الجزم بالتوصل إلى وقف نار فعلى للحرب على إيران. صحيح أن العالم تنفس الصعداء وساد الشعور بأن ذلك الأمر وكأنه تم بالفعل، ولكنه ما زال فى طور المشاورات وقد يكون تم حسمه لحظة قراءتك لهذا المقال. وإذا كان لذلك من دلالة فأولها أن العالم يحبس أنفاسه من تطورات تلك الحرب ويعتبرها غمة يجب أن تنزاح. وإذا كان ذلك يعبر عن مخاوف من القوة الأمريكية الكاسحة التى وصلت لحد التهديد بمحو حضارة كاملة كما هدد ترامب، فإن الموقف يعبر أيضا عن نجاح إيران فى الصمود بما فى ذلك استغلال ورقة مضيق هرمز على نحو جعل النظام الدولى على صفيح ساخن حسب التعبير الدارج فى وصف مثل تلك الأوضاع.
أسباب التشكيك – بغض النظر عما ستؤول إليه الأمور خلال الساعات أو الأيام المقبلة – عديدة، لعله على رأسها أن السياسة الأمريكية على النمط الذى يديرها به ترامب تسببت فى أن يستقر فى أذهان الكثيرين أن واشنطن ليس لها عهد ولا ذمة. دعك هنا من إسرائيل فذلك الجانب ملازم لسياستها ومستقر فى أعرافها وما يجرى على صعيد جبهة غزة نموذج واضح. وخبرة التجربة الإيرانية تشير إلى أن ترامب خاض حربا أولى -الاثنى عشرة يوما- ضدها فيما كان يتفاوض، وكذلك خاض الحرب الحالية فى وقت كان الوسطاء فيه يشيرون إلى قرب التوصل إلى إتفاق.
وعلى المنوال ذاته وإن اختلفت الأسباب ربما تأتى الموافقة الأمريكية على وقف مؤقت للنار لمدة أسبوعين وإن كان السياق يبدو مغايرا هذه المرة حيث تأتى موافقة طهران بعد رفض لفكرة الهدنة، ما قد يشير إلى أن هناك شبه اتفاق تم التوصل إليه وإن لم يتم الإعلان بشكل كامل عن التفاصيل حفظا لماء وجه السياسة الأمريكية.
الدلالة الأكبر لهذا التطور هى أن الولايات المتحدة لم تنتصر فى الحرب ولم تحقق أهدافها على عكس ما يروج له نظام ترامب، وهو أمر يلمح إليه بشكل معبر ما كتبه المحلل إيلان غولدنبيرغ فى مجلة «فورين أفيرز» من أن الاختلال فى موازين القوى يصب فى صالح الطرف الأضعف، إذ يمكن لإيران تحقيق «نصر» بمجرد البقاء وإلحاق خسائر محدودة لكنها مؤثرة بالاقتصاد العالمى والأسواق النفطية.
وعلى ذلك قد تكون هدنة الأسبوعين فرصة لترامب لالتقاط نفسه أو ممارسة مزيد من الضغوط على طهران، غير أن إيران التى صمدت أكثر من شهر ربما تستثمر فى الأزمة وتحولها إلى مكسب وهو أمر تشير إليه النقاط العشر التى قدمتها كأساس لقبول وقف النار بغض النظر عن قبولها بأكملها أو البعض منها.
يكفى فى هذا الصدد الإشارة للبند المتعلق بفرض رسوم عبور من مضيق هرمز حتى لو بالمشاركة مع عمان، فهذا يخلق لها موردا ماليا دائما يعوضها عن كل ما فقدته خلال الحرب ويمثل بندا كافيا لإعادة الإعمار ويعفى إيران من الجرى وراء المطالبة بتعويضات وهو ما قد تقبله إدارة ترامب باعتبار أنه يعفيها من الإقرار بفكرة دفع تعويضات ما يجعلها فى موضع الاعتراف بأنها دولة معتدية. كما سيحاول ترامب التسويق لوقف النار باعتباره نجاحا له فى إنهاء أزمة إغلاق مضيق هرمز رغم أنه نتيجة لحربه على إيران وليس سببا لها.
فى النهاية فإن المنطقة بأكملها، إن لم يكن النظام العالمى ككل، بعد انتهاء أو إغلاق ملف أزمة الحرب على إيران، طالت أم قصرت لن تكون كما كانت قبله، ما يقدم لنا نحن العرب دروسا مهمة يجب استيعابها.
















0 تعليق