قالت دار الإفتاء المصرية إن الأصل في المسجد أنَّه وقفٌ شرعيٌّ خالصٌ لله تعالى، لا يجوز بيعه أو التصرّف فيه ما دام الانتفاع به ممكنًا، أمّا إذا تعذر الانتفاع به؛ بحيث لم يعد يحقق الغرض الذي وُقِف من أجله، أو تبيّن أن في استبداله بغيره مصلحة حقيقية وتعود هذه المصلحة بالنفع على الموقوف عليهم، فإنَّه يجوز في هذه الحالة البيع والاستبدال.
حكم التصرف في المسجد الوقف
وأوضحت الإفتاء أن المسجد يُعدّ وقفًا شرعيًّا خالصًا لله تعالى، والمقصود منه خدمة المجتمع المسلم من خلال إقامة الصلاة، وتعليم العلم، وتنظيم الأنشطة الدينية، والوقف: هو حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، بقطع التصرف في رقبته، على مصرف مباح موجود، تقربًا إلى الله تعالى؛ كما في "مغني المحتاج" للخطيب الشربيني (3/ 522، ط. دار الكتب العلمية).
وأضافت أن المقرر شرعًا أنَّه يُحرَّم التصرف في أموال الوقف بما يضرّ بأهدافه أو يُعطِّل منفعته العامة التي حددها صاحب الوقف؛ إذ نصَّ الفقهاء على أنَّ "شرط الواقف كنص الشارع"، أي: أنَّ الالتزام بشرط الواقف واجب كوجوب العمل بنصوص الشرع نفسها، فيُعتبر ويُراعى ما أمكن ذلك؛ لأنَّ الوقف في حقيقته قُربة اختيارية يضعها صاحبها في موضع النفع والعبادة. يُنظَر: "رد المحتار" للعلامة ابن عابدين (4/ 433، ط. دار الفكر)، و"الشرح الصغير" للعلامة الدردير، ومعه "حاشية الصاوي" (4/ 120، ط. دار المعارف)، و"الإقناع" للخطيب الشربيني (2/ 363، ط. دار الفكر)، و"كشاف القناع" للإمام البهوتي (4/ 323، ط. دار الكتب العلمية).
حكم التصرف في الوقف إذا اقتضت المصلحة ذلك
وقالت إن على الرغم من كون الشريعة الإسلامية قد منعت التصرف في الوقف إلَّا أنها استثنت من هذا المنع جواز التصرف فيه بما يحقق مصلحة دائمة ويُحيي الغرض الذي أُوقف من أجله، والأصل في ذلك: ما ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين قدم إلى الكوفة وتولى بيت المال، فتعرض للسرقة، وعندما تم القبض على السارق، كتب إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكان رده: "أَنْ لَا تَقْطَعْهُ، وَانْقُلِ الْمَسْجِدَ، وَاجْعَلْ بَيْتَ الْمَالِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ فِي الْمَسْجِدِ مَنْ يُصَلِّي" أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير".
قال الإمام ابن قدامة في "المغني" (6/ 29، ط. مكتبة القاهرة) معلقًا على هذ الأثر: [وكان هذا بمشهدٍ من الصحابة، ولم يظهـر خلافـُه، فكان إجماعًا] اهـ.
ويُستفاد من أثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وما قرره الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذه الواقعة، أصلٌ شرعيٌّ مهمٌّ في باب الوقف، وهو جواز نقل الوقف أو تغييره من موضع إلى آخر إذا اقتضت المصلحة ذلك، تحقيقًا للغرض الذي أُنشئ من أجله الوقف، ومنعًا لتعطيله، فقد أمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنقل موضع المسجد وجعل بيت المال مما يلي القبلة، تعليلًا بكون المسجد لا يخلو من المصلين، أي: أنَّ المصلحة تقتضي هذا النقل لضمان الحفظ والصيانة، وهذا يدل على أنَّ العبرة في الوقف استبقاؤه ما أمكن حتى وإن ترتب على ذلك تغيير صورته لأجل استبقائه، فإذا تعذر الانتفاع به على حاله جاز نقله أو إبداله بما يحقق نفس الغرض.
قال الشيخ بهاء الدين المقدسي في "العدة شرح العمدة" (ص: 313، ط. دار الحديث) في معرض حديثه عن بيان وجه الاحتجاج بالأثر السابق: [ووَجْهُ الحُجَّةِ منه: أنَّه أمره بنقله من مكانه؛ فدل على جواز نقل الوقف من مكانه وإبداله بمكانٍ آخر، وهذا معنى البيع، ولأنَّ فيما ذكرنا استبقاء الوقف بمعناه عند تعذر إبقائه بصورته] اهـ.


















0 تعليق